حكايات امانى السيد…

تغيرت نبرة العم إلى القسوة والجمود وقال له:

— “اللي يمد إيده على مال غيره ويخون مراته اللي شالت أمه في وقت مرضه، ما يستاهلش يتقال عليه راجل يا كريم.. أنا مش هسندك، أنا اللي قدمت ورق النيابة اللي هيخليك تقض*ي أحلى أيام شبابك ورا القضبان.. أنت وأختك وأمك.”

أغلق العم الخط، والكل في قاعة الانتظار ينظر إليّ بذهول.

التفتُّ إلى الأستاذ عاصم وقلت له:

— “أنا عايزة أروح المستشفى للمرة الأخيرة.. لازم أقفل الصفحة دي بنفسي.”

وصلتُ إلى المستشفى في المساء. توجهتُ إلى الطابق الثالث، ووقفتُ أمام باب غرفة حماتي. كانت الغرفة خالية تماماً من الأهل؛ لا كريم، ولا دينا، ولا أي من أقاربهم الذين كانوا يملأون الدنيا بضجيجهم. كانت الحاجة فايزة مستلقية بمفردها، ودموع العجز تبلل وسادتها، بينما كانت الممرضة تضع لها المحاليل الطبية الأساسية فقط دون أي تدخل جراحي.

دخلتُ بخطى ثابتة، ونظرتُ إليها. لما رأتني، لم تعد تملك القدرة على الصراخ أو الشتيمة، بل نظرت إليّ بعيون مكسورة ومستسلمة، وقالت بصوت أشبه بالهمس:

— “سلمى.. كريم اتقبض عليه؟ دينا فين؟.. أنا بتموت يا بنتي.. ارحميني وخلي الدكاترة يعملوا العملية.”

اقتربتُ من سريرها، ونظرتُ إلى عينيها مباشرة، وقلت بكل هدوء وثقة:

— “أنا مش همنع عنك العلاج يا حاجة فايزة.. أنا دفعت تمن الإسعافات والمُسكنات الأساسية من معايا كصدقة على روح طليقك.. لكن العمليات الكبيرة والرفاهية دي انتهت. ابنك في السجن، وبنتك هاربة، والبيت اللي بنيتوه بالظلم والافتراء اتهد فوق دماغكم.”

أخرجتُ من حقيبتي الورقة الصفراء الصغيرة التي كانت بدايتنا، ووضعتها فوق الطاولة بجانب سريرها، وقلت كلمتي الأخيرة:

— “أنا بقيت أذكى يا حاجة فايزة.. ودلوقتي، أنا هسيبك لوحدك مع الورقة دي.. تفتكري بيها كل دقيقة ظلمتوني فيها.”

التفتُّ وغادرت الغرفة، وأنا أسمع صوت أنفاسها المتهدجة خلفي. نزلتُ إلى بهو المستشفى، وفي طريقي نحو الباب الخارجي، لمحتُ المحامي الأستاذ عاصم يقترب مني وهو يبتسم ومعه ملف جديد، وقال:

— “أستاذة سلمى.. الجلسة اتحددت خلاص، والنيابة أصدرت قرارها النهائي بخصوص كريم ودينا.. وفيه مفاجأة قانونية تانية بخصوص الشقة والأملاك القديمة هتحصل بكره الصبح.”

وقفتُ عند عتبة الباب، أنظر إلى السماء التي بدأت تمطر خفيفاً، وأنا مستعدة تماماً لسماع السطر الأخير في هذه الرواية.

نظرتُ إلى الأستاذ عاصم، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتي وأنا أستقبل قطرات المطر الباردة على وجهي. سألته بهدوء:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!