الورث ندى الجمل1

— “وإيه الحاجات اللي تهمك؟”
مين عايز يكملها ؟؟
— “الحاجات اللي فيها ألوان كتير… والرسم. وكمان اللعبة دي،” قالت ليلى وهي بتفرد المنديل الورق المبلول على الترابيزة الفخمة، وبتبص للمتاهة المرسومة بخط يد مشوش ومهزوز. “بس أنا مش عارفة أوصل للأخر، كل الطرق مقفولة.”
سيف الدمنهوري بص للمنديل. عينيه الخبيرة لقطت التفاصيل في ثانية. الخطوط مكنتش مجرد لعبة أطفال؛ المتاهة المرسومة كانت مطابقة لتقسيمة شوارع الزمالك المحيطة بمطعم “لا ڤيتا”، وفي نص المتاهة كان فيه علامة “X” صغيرة فوق مربع مكتوب جواه برقم صغير جداً: “7”.
نظرة البرود اللي في عيون سيف اختفت، وحل مكانها حذر شديد. قرب شوية من ليلى وقال بصوت واطي وهادي:
— “مين اللي رسم المتاهة دي يا ليلى؟”
— “ماما.. رسمتها في الميكروباص وإحنا جايين، وقالتلي لو توهت أو حصلت دوشة، أدخل المكان الشيك ده وأقعد على الترابيزة دي بالذات.”
في اللحظة دي، داليا شريف وقفت من ترابيزتها وقربت بخطوات سريعة مسموعة، وشها كان شاحب تماماً. مالت على سيف وهمست في ودنه وعينيها على البنت:
— “سيف بيه… الأمن بره لقى عربية نقل فلوس مسروقة مركونة في الممر الخلفي للمطعم. والبلاغ عن القنبلة طلع تشتيت للأمن… المطبخ تمام، بس المشكلة مش جوه.. المشكلة بره.”
سيف ما اتهزش، عينيه فضلت مركزة على البنت، وربط الخيوط في دماغه. “هنا منصور” اختفت من سبع سنين، وليلى عندها حوالي خمس أو ست سنين. المتاهة، الذكاء، العناد الطفولي، والاسم القديم اللي رجع يتردد في روحه زي صدى صوت من الماضي.
فجأة، الباب الزجاجي للمطعم اتفتح بقوة، ودخلت معاه نسمة هواء باردة محملة بريحة المطر.
دخلت ست، البالطو بتاعها غرقان مية، وشعرها الأسود المبلول نازل على وشها. كانت بتنهج كأنها كانت بتجري ماراثون. أول ما عينيها جت على الترابيزة رقم ٧، وشها اتسحب منه اللون في ثانية.
تجمّدت مكانها كأنها شافت كابوس… أو كأنها شافت الشخص الوحيد اللي كانت بتهرب منه طول السنين دي.
كانت “هنا”.
ليلى أول ما شافتها، نزلت من على الكرسي بسرعة وفرحة:
— “ماما!”
لكن هنا ما جرتش على بنتها. عينيها كانت متعلقة بعيون سيف الدمنهوري، اللي وقف ببطء وشموخ، وهو بيزرر جاكيت بدلته الفحمية. نظراتهم اتقابلت في صمت قاتل، صمت كان أعلى من صوت الرعد اللي ضرب بره المطعم في اللحظة دي.
رجال الأمن حوالين القاعة حطوا إيديهم تلقائي على أسلحتهم المستخبية، مستنيين إشارة واحدة من صباعين سيف. وداليا شريف حطت إيدها على بوقها بصدمة وهي مش مصدقة إن السر اللي دفنته من سبع سنين واقف قدامها بشحمه ولحمه.

