الوصية حكايات رومانى مكرم 1

بعد وفاة حماتي، رحت أحضر قراية الوصية… بس اتصدمت لما لقيت جوزي قاعد هناك مع عشيقته، وبين إيديها طفل لسه مولود. ولا كأنهم مكسوفين حتى. بالعكس… كانوا مستنيين أشوفهم وأنهار قدامهم.
لكن أول ما المحامي فتح الظرف وبدأ يقرا آخر كلام كتبته حماتي… الأوضة كلها سكتت فجأة، ولون وش جوزي راح مرة واحدة.
كنت متوقعة حزن في قراية الوصية… إنما اللي ماكنتش متوقعاه أبدًا، كان الفخ.
بعد أسبوعين من وفاة حماتي، الحاجة سميحة عبد الجواد، دخلت مكتب المحاماة “الديب وشركاه” في وسط القاهرة، وعيني وارمة من العياط، ولابسة الفستان الأسود اللي بقيت ألبسه في كل عزاء الفترة الأخيرة. السجادة في المكتب كانت من النوع اللي عامل نفسه شيك، بس ريحته كلها قهوة بايتة. وبرواز فيه صورة برج القاهرة كان معلق بميلان ورا المكتب الكبير.
وفي آخر الأوضة، قاعدين بكل بجاحة كأن المكان ملكهم… كان جوزي كريم، والست اللي بقاله سنة كاملة بينكر إن فيه أي حاجة بينها وبينه.
كريم ماقامش حتى.
ما اتوترش.
بس حط إيده على الكرسي اللي جنبه… كأنه محجوزه ليها.
ليها هي.
رفعت رانيا الشاذلي عينيها وبصتلي بابتسامة هادية مستفزة، كأننا في قعدة قهوة مش في قراية وصية. كانت لابسة فستان أزرق فاتح، وشعرها معمول بعناية، وبين إيديها طفل صغير ملفوف في بطانية رمادي. إيد البيبي الصغيرة كانت متشبثة بصدرها.
بقي ريقي ناشف.
وصوابعي شدت على شنطتي لدرجة إن الجلد صرّ.
قلت بصوت متقطع:
“إنتي جايبة طفل؟”
ابتسامتها ما اتحركتش.
قالت بهدوء:
“ابن كريم.”
قالتها كأنها بتطلب عصير قصب.
كريم بصلي أخيرًا.
لا حاسس بالذنب… ولا حتى معتذر.
بس متضايق… كأني أنا المشكلة اللي مش عايزة تختفي.
قال ببرود:
“ماحبّناش تسمعي من حد غيرنا.”
ضحكت ضحكة ناشفة طالعة غصب عني.
“آه طبعًا… في قراية وصية حماتي. يا للذوق.”
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح، ودخل المحامي أستاذ نبيل الديب شايل ملف كبير ووشه متحفظ. وقف ثانية أول ما شاف الطفل، بس بسرعة رجع لبروده المعتاد… واضح إنه متعود يخبي أي صدمة.
حكايات رومانى مكرم
قال وهو بيقعد:
“الحاجة سميحة طلبت إن كل الأطراف يكونوا موجودين.”
وبص ناحية رانيا:
“ومدام رانيا ضمن الموجودين.”
“ضمن الموجودين.”
الكلمة نزلت عليا زي القلم.
يعني حماتي ماكنتش بس عارفة…
دي كانت مرتبة كل حاجة.
قعدت بالعافية، عشان رجليا فجأة بقوا مش ثابتين. عيني راحت لخاتم الجواز في إيد كريم… الدهب كان بيلمع تحت نور النيون البارد.
