حكايات اسما السيد
بنتي عندها خمس سنين، وكانت كل يوم تستحمى مع جوزي. كانوا يقعدوا جوه الحمام أكتر من ساعة كاملة كل ليلة ولما سألتها أخيرًا بيعملوا إيه، انفجرت في العياط وقالت: “بابا قالّي ماينفعش أقول لحد على الألعاب اللي في الحمام.”
تاني ليلة، قربت من باب الحمام اللي كان موارب… وأول ما بصيت جريت أجيب موبايلي.
في الأول كنت بقول لنفسي إني ببالغ.
“جنا” كانت دايمًا صغيرة على سنها، شعرها كيرلي خفيف وابتسامتها هادية وخجولة. جوزي “كريم” كان دايمًا يقول إن وقت الحمام ده “الوقت المميز” بتاعهم. كان بيقول إنه بيهديها قبل النوم وبيخفف عني شوية تعب.
“المفروض تبقي مبسوطة إني بساعدك بالشكل ده”، كان يقولها بابتسامته اللي الكل بيصدقها.
وفترة فعلًا كنت مصدقاه.
لحد ما بدأت أبص في الساعة.
مش عشر دقايق. ولا ربع ساعة.
ساعة كاملة… وأحيانًا أكتر.
كل مرة أخبط على الباب، كريم يرد بنفس النبرة الهادية: “خلاص يا حبيبتي، قربنا نخلص.”
لكن لما كانوا بيطلعوا من الحمام، جنا ماكنتش باينة مرتاحة أبدًا.
كانت بتبقى مرهقة.
تلف الفوطة حوالين نفسها جامد وتفضل باصة في الأرض. مرة حاولت أنشف لها شعرها، قامت بعدت عني بسرعة خلت قلبي يقع.
ساعتها حسيت بالخوف لأول مرة.
أما المرة التانية، فكانت لما لقيت فوطة مبلولة مستخبية ورا باسكت الغسيل، عليها أثر أبيض كده وريحتها غريبة… شبه ريحة دوا.
في الليلة دي، بعد حمامهم الطويل كالمعتاد، قعدت جنب جنا وهي حضنة الأرنب اللعبة بتاعتها.
سألتها بهدوء: “إنتوا بتعملوا إيه جوه مع بابا كل الوقت ده؟”
وشها اتغير مرة واحدة.
بصت تحت، وعينيها املت دموع. شفايفها الصغيرة كانت بتترعش، لكنها ماقالتش حاجة.
مسكت إيدها وقلت: “تقدري تحكيلي أي حاجة، أوعدك.”
همست بصوت ضعيف جدًا: “بابا قال إن ألعاب الحمام سر.”
جسمي كله تلج.
“ألعاب إيه يا حبيبتي؟”
فضلت تعيط أكتر وهي بتهز راسها.
“قالّي إنك هتزعلي مني لو قلتلك.”
حضنتها وقلت لها إني عمري ما هزعل منها أبدًا.
لكنها ماقالتش أي حاجة تاني.
الليلة دي فضلت صاحيه جنب كريم، باصة للسقف في الضلمة، بسمع نفسه وكأنه عادي جدًا… كأن مافيش حاجة غلط.
جوايا كان عايز يصدق إن أكيد فيه تفسير بريء أنا مش شايفاه.
لكن الصبح، عرفت إني ماينفعش أعيش على الأمل.
لازم أعرف الحقيقة.
تاني ليلة، لما كريم أخد جنا لفوق عشان الحمام المعتاد، استنيت لحد ما سمعت صوت الميه.
وبعدين مشيت حافية في الطرقة، وقلبي بيدق بعنف.
باب الحمام كان موارب سنة بسيطة.
بصيت من الفتحة…
وفي لحظة، الراجل اللي اتجوزته اختفى من قدامي.
كان كريم قاعد جنب البانيو، ماسك تايمر مطبخ في إيده وكوباية ورق في الإيد التانية، وبيكلم جنا بصوت هادي جدًا… لدرجة إنه رعبني.
في اللحظة دي، طلعت موبايلي واتصلت بالشرطة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بكلم الشرطة بصوت واطي من آخر الطرقة.
“لو سمحتوا… محتاجة حد ييجي حالًا. أنا شاكّة إن جوزي بيعمل حاجة لبنتي.”
الست اللي على الخط سألتني بسرعة: “البنت في خطر دلوقتي؟”
بصيت تاني ناحية الحمام. كريم كان لسه بيتكلم بهدوء غريب: “شطرة يا جنا… خمس دقايق كمان بس.”
جنا كانت قاعدة جوه البانيو، وشها شاحب وعينيها مرهقين.
همست: “أيوه… أرجوكم استعجلوا.”
قفلت المكالمة وحاولت أتماسك. كل السيناريوهات السودا كانت بتلف في دماغي. كنت حاسة إني هقع من الخوف.
بعد دقايق، سمعت خبط قوي على باب الشقة.
كريم اتفزع وطلع من الحمام بسرعة وهو بيزعق: “مين بيخبط بالشكل ده؟”
فتحت الباب، ودخل اتنين ظباط ومعاهم ظابطة.
كريم بصلي بصدمة: “إيه ده يا ندى؟!”
الظابط قال بحزم: “وصلنا بلاغ بخصوص طفلة صغيرة. محتاجين نسأل شوية أسئلة.”
وش كريم قلب في ثانية. “إنتِ بلغتي عني؟!”
جنا كانت واقفة ورا باب الحمام لافة الفوطة حوالين جسمها الصغير ومر-عوبة.
الظابطة قربت منها بهدوء: “تعالي يا حبيبتي نقعد سوا شوية.”
وأنا واقفة مكاني، حاسة إن روحي بتتسحب مني.
الشرطة فتشت الحمام. أخدوا الكوباية الورق والتايمر، وبعدها طلبوا يفتشوا أوضة المكتب بتاعة كريم.
في البداية كريم كان بيزعق ويقول: “إنتوا مجانين! دي بنتي وأنا بستحمى معاها عادي!”
لكن بعد شوية… كل حاجة اتغيرت.
الظابط طلع علبة أدوية من درج المكتب.
وأكياس صغيرة منومة.
وكشكول مكتوب فيه مواعيد دقيقة جدًا… ساعات الحمام، عدد الدقايق، وجرعات معينة.
ركبي ماقدرتش تشيلني.
“إيه ده؟…” قلتها وأنا ببصله بعدم تصديق.
كريم بدأ يتلخبط: “دي… دي أعشاب مهدية… البنت كانت عصبية بس!”
لكن الظابط بصله ببرود: “ومين بيدي لطفلة خمس سنين حاجات من غير وصفة؟”
جنا وقتها بدأت تعيط جامد.
وقالت جملة كسرتني: “بابا كان بيخليني أشرب العصير المُر… وبعدها أنام.”
البيت كله سكت.
حتى كريم نفسه مابقاش عارف يتكلم.
في اللحظة دي فهمت ليه كانت دايمًا طالعة من الحمام تعبانة… وليه كانت عينيها تقفل بالعافية بعد كل “روتين مميز”.
الشرطة أخدت كريم مكبل قدام عيني.
وهو خارج، بصلي بنظرة عمري ما هنساها: “إنتِ دمرتي حياتي.”
لكن وأنا حضنة جنا، عرفت الحقيقة الوحيدة المهمة…
إني لحقتها قبل ما يحصل الأسوأ.
بعد شهور من التحقيقات، اتضح إن كريم كان بيدي جنا مهدئات خفيفة عشان “تفضل هادية وساكتة”، وإنه كان مهووس بالتحكم الكامل في كل تفاصيل يومها.
الخبراء أكدوا إنه كان خطر نفسي حقيقي عليها.
جنا بدأت علاج نفسي طويل.
وفي أول جلسة رسم، رسمت نفسها واقفة تحت الشمس… وأنا ماسكة إيدها.
أما كريم، فآخر مرة سمعنا عنه كانت من المحكمة.
وجنا دلوقتي، بعد سنين، بقت تنام من غير خوف… ومن غير أسرار في الحمام.
بعد الحكم على كريم، حاولت أبدأ أنا وجنا من جديد.
نقلنا من الشقة اللي كل ركن فيها كان بيفكرني بالخوف. خدنا شقة صغيرة في طنطا، قريبة من أمي، وكان أول قرار أخدته إني أغير أوضة جنا بالكامل.
هي بنفسها اختارت لون الحيطة… أصفر فاتح.
“علشان يبقى شبه الشمس”، قالتها بابتسامة صغيرة كنت مفتقداها من زمان.
لكن الحقيقة إن التعافي ماكانش سهل.
جنا كانت بتصحى بالليل وهي بتصرخ.
أي صوت مية كان بيرعبها.
حتى البانيو نفسه خلاني أشيله تمامًا وأركب دش عادي.
وفي يوم، بعد حوالي ست شهور، وأنا بسرّح لها شعرها قبل المدرسة، سألتني فجأة: “هو أنا كنت وحشة علشان بابا كان بيعمل كده؟”
قلبي اتقطع.
نزلت لمستوى عينها فورًا وقلت: “إنتِ أنضف وأطيب بنت في الدنيا… والغلط عمره ما كان غلطك.”
حضنتني جامد لدرجة إني حسيت إنها خايفة أختفي.
ومن بعدها بدأت خطوة خطوة ترجع.
ضحكتها بقت أعلى.
بقت تلعب مع صحابها.
وبطلت تخبي الألعاب تحت السرير كأنها مستنية حد ياخدها منها.
لكن الصدمة الحقيقية جات بعد سنة تقريبًا.
كنت راجعة من الشغل، ولقيت عربية غريبة واقفة تحت البيت.
وأول ما طلعت السلم، لقيت ست كبيرة قاعدة عند باب شقتي.
أول ما شافتني قامت بسرعة، وعينيها مليانة دموع.
قالت: “إنتِ ندى؟”
هزيت راسي بحذر.
طلعت صورة قديمة من شنطتها… صورة لكريم وهو صغير.
وقالت بصوت مكسور: “أنا أمه.”
جسمي كله شد.
كنت أول مرة أشوفها. كريم كان دايمًا يقول إن أمه ماتت من سنين.
لكنها قالت الحقيقة اللي قلبت كل حاجة.
“أنا هربت منه وهو عنده 12 سنة… بعد ما اكتشفت إن أبوه كان بيعذبه.”
ماكنتش قادرة أتكلم.
الست فضلت تبكي وهي تحكي إن جوزها كان مريض نفسي وبيستخدم أساليب عقاب مر-عبة، وإن كريم اتربى على إن السيطرة والخوف هما معنى الحب.
“حاولت آخده وأهرب… لكن المحكمة ادت أبوه الحضانة.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.
هي ماكنتش بتبرر اللي عمله.
ولا أنا سامحته.
لكن لأول مرة فهمت إن الوحش اللي دخل بيتنا… اتخلق من بيت أسوأ.
قبل ما تمشي، الست طلبت طلب واحد بس.
“ممكن أشوف جنا من بعيد؟ بس أطمن إنها بخير.”
بصيت لها طويل… وبعدين دخلت ناديت جنا.
جنا خرجت وهي ماسكة دبدوبتها.
الست أول ما شافتها انهارت في العياط.
أما جنا، فبصتلها باستغراب وقالت بهدوء: “إنتِ عيطانة ليه يا تيتة؟”
الست ضحكت وسط دموعها.
وفي اللحظة دي، حسيت إن الدائرة أخيرًا بدأت تتقفل.
الخوف ممكن يتورث…
بس الحب كمان ممكن يبدأ من جديد.
