ليله العرس2

اتجمدت مكاني.
ــ سمعتي مين؟
ياسمين قفلت الباب وراها ببطء، وإيديها كانت بتترعش وهي ماسكة طرف الروب الحرير الأبيض اللي كانت لابساه.
وشها شاحب. وعينيها حمرا كأنها كانت بتعيط من ساعات.
قالت بصوت مبحوح: ــ أختك… وكريم.
قلبي نزل في رجلي.
قربت منها بسرعة: ــ عملولك حاجة؟
هزت راسها بالنفي، لكن جسمها كله كان بيقول العكس.
ــ نادين بعتتلي رسالة وقالت إنها عايزة تشوفني ضروري علشان “موضوع يخص الولاد.” افتكرت حد تعب أو حصلت مشكلة… نزلت لها في الجناح اللي تحت.
سكتت. بلعت ريقها بصعوبة.
ــ أول ما دخلت… كانت العصير جاهز. وبعدها بدقايق حسيت إني دايخة.
قبضت إيدي بعنف.
ــ بنت الكلب…
ياسمين كملت بسرعة: ــ ما فقدتش الوعي كامل… بس ماقدرتش أتحرك كويس. وسمعتهم وهما فاكريني نايمة.
نفسي بقى تقيل.
ــ قالوا إيه؟
بصتلي مباشرة. وفي عينيها خوف عمري ما شفته قبل كده.
ــ قالوا إنك لازم تمضي الصبح على أوراق الصندوق… وإن بعد الجواز هيخلوا كل حاجة باسم العيلة علشان “مرات أدهم الجديدة مايبقاش ليها حق تتحكم فيه.”
ضغطت على فكي بعنف لدرجة حسيت سناني هتتكسر.
لكن ياسمين ما خلصتش.
ــ وبعدين كريم قال حاجة عن ريم… وإنهم عرفوا يخلّوك تشك فيها بسهولة… وإن الستات لما تخاف على بيتها بتبان مجنونة.
قفلت عيني لحظة.
كأن حد بيحط س*كينة في نفس الجرح القديم.
ياسمين قربت خطوة: ــ أدهم… إيه ملف المستشفى اللي كانوا بيتكلموا عنه؟
سكت.
لأول مرة في حياتي… ماعرفتش أقول الحقيقة بصوت عالي.
لكنها استنتجت من وشي.
همست: ــ فيه حاجة تخص ولادك؟
تنفست ببطء. ثم قلت: ــ آدم ابني.
اتلخبطت ملامحها: ــ طيب… ما هو ابنك فعلًا؟
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة: ــ أيوه. بس هما خلوني سنين شاكك إنه مش ابني.
الصدمة ظهرت كاملة على وشها.
حكيت لها كل شيء.
التحاليل. التزوير. إزاي دمروا جوازي مع ريم. إزاي استخدموا خوفي ونقطة ضعفي علشان يفضلوا ماسكين فيا.
كل كلمة كنت بقولها كانت بتعرّي جزء مني حتى أنا كنت بخاف أبصله.
ولما خلصت…
ياسمين كانت دموعها نازلة بهدوء.
مش خوفًا على نفسها.
عليّ أنا.
قالت بصوت واجعني: ــ إنت كنت لوحدك وسط الناس دي كلها؟
السؤال كسر حاجة جوايا.
لأن الحقيقة؟ أيوه.
أنا كنت محاط بعيلة كاملة… ووحدي تمامًا.
جلست على طرف الكنبة وأنا حاسس إني اتسحبت مني كل طاقة.
قلت بصوت واطي: ــ أنا تعبت يا ياسمين.
هي قربت بهدوء. قعدت قدامي على الأرض. ثم مسكت إيدي.
ــ بصلي.
بصيت.
قالت بثبات: ــ إحنا نلغي الفرح.
شهقت بدون وعي: ــ إيه؟
ــ إنت مش جاهز تدخل حرب جديدة دلوقتي. وإخواتك واضح إنهم ممكن يعملوا أي حاجة.
الكلام منطقي. مفروض أوافق فورًا.
لكن أول ما تخيلت إني أخسرها… الرعب مسكني.
همست: ــ وأنا لو لغيت الفرح… هخسرك؟
عينيها اترجفت.
ثم قالت: ــ لو كنت هخسرك… ماكنتش هقولك نلغيه.
الجملة دي دخلت قلبي بعنف.
لأنها كانت أول شخص من سنين… يختار سلامتي قبل مصلحته.
قمت واقف فجأة. لفيت بعيد وأنا بحاول أرتب أنفاسي.
ثم قلت: ــ لا.
ــ أدهم…
لفيت ناحيتها.
ــ أنا طول عمري بهرب من المواجهة مع عيلتي. كل مرة أقول مش وقته… علشان العيلة… علشان الولاد… علشان أمي قبل ما تموت كانت عايزانا مع بعض.
ضحكت بمرارة.
ــ وفي الآخر؟ خسرّت كل حاجة وأنا ساكت.
سكت ثانية. ثم قلت: ــ مش ههرب تاني.
…
الساعة كانت ٦ الصبح لما جمعتهم.
كريم. حسام. نادين.
في نفس الجناح اللي كنت مستخبي تحته قبل ساعات.
كلهم دخلوا متوترين.
كريم حاول يضحك: ــ إيه يا عريس؟ جمعتنا بدري ليه؟
لكن أول ما شاف وشي… ابتسامته اختفت.
نادين بصتلي بقلق: ــ أدهم؟
قفلت الباب بهدوء.
ثم رميت ملف المستشفى على الترابيزة.
الصوت وحده خلاهم يتجمدوا.
قلت بهدوء مخيف: ــ مين فيكم يبدأ يشرح؟
الصمت انفجر في الأوضة.
حسام أول واحد اتكلم: ــ إنت جبت ده منين؟
ضحكت ضحكة قصيرة باردة: ــ يعني حقيقي.
كريم حاول يتمالك نفسه: ــ أدهم اسمع—
صرخت لأول مرة: ــ اسمع إيه؟!
كلهم اتخضوا.
حتى أنا.
عمري ما عليت صوتي عليهم بالشكل ده.
قربت من كريم خطوة: ــ خلتني أشك في ابني سنين.
ــ إحنا كنا بنحميك!
ــ من إيه؟ من مراتي؟!
نادين بدأت تعيط: ــ الموضوع كبر مننا…
لفيت ناحيتها بصدمة: ــ إنتِ كمان؟
انهارت على الكنبة: ــ كريم قال إن ريم بتستغلك… وإنها ممكن تسرق الولاد وتمشي…
ضحكت بذهول مر.
ــ وأنتِ صدقتي؟
حسام تدخل بعصبية: ــ خلاص بقى! اللي حصل حصل!
بصيتله. وبصراحة؟ أول مرة أشوفه غريب.
مش أخويا.
واحد عايش على تعبي طول عمره.
قلت ببرود: ــ والفلوس؟
اتوترت ملامح كريم فورًا.
ــ فلوس إيه؟
فتحت اللاب توب قدامهم. التحويلات ظهرت.
الملايين.
الصندوق.
التوقيعات المزورة.
نادين شهقت وهي تبص لكريم: ــ إنت سرقت أدهم؟!
كريم فقد أعصابه أخيرًا: ــ سرقته إيه بس! دي فلوس العيلة!
قربت منه لدرجة بقى سامع نفسي.
ــ لا. دي فلوسي أنا. أنا اللي اشتغلت. أنا اللي شلتكم. أنا اللي دفعت تمن كل غلطة عملتوها.
صوته على: ــ وإحنا إخواتك!
صرخت: ــ والإخوات ما يدفنوش أخوهم حي!
الصمت بعدها كان مرعب.
نادين كانت بتعيط. حسام ساكت. وكريم باصصلي بكره صريح لأول مرة.
ثم قال الجملة اللي قت*لت آخر ذرة حب جوايا:
ــ كل ده علشان واحدة هتتجوزها؟ دي زي اللي قبلها… وهتسيبك.
لفيت ناحية الباب.
ياسمين كانت واقفة.
واضح إنها سمعت كل حاجة.
لكنها ما بكتش.
دخلت بهدوء. وقفت جنبي.
ثم بصت لكريم وقالت: ــ الفرق بيني وبين اللي قبلها… إني عمري ما طلبت منه يختار بيني وبين ولاده.
كريم سخر: ــ ولسه.
لكن ياسمين قربت أكتر. وقالت بثبات: ــ ولا بيني وبين كرامته.
الجملة دي… أنهت كل شيء.
بصيت لإخواتي.
ثم قلت بهدوء: ــ بعد النهارده… ماحدش فيكم له أي صلاحية في شركاتي أو حساباتي أو حياتي.
نادين شهقت: ــ أدهم بالله عليك—
ــ خلص.
حسام قام بعصبية: ــ هترمينا يعني؟
ضحكت بمرارة: ــ غريبة… أول مرة تخافوا وأنا أبطل أدفع.
كريم وقف هو كمان.
ــ هتندم.
هززت راسي: ــ لا. أنا ندمت فعلًا… يوم اخترتكم على الناس اللي كانت بتحبني بجد.
…
الفرح ما اتلغاش.
لكن ماكانش نفس الفرح.
مافيش عيلة كبيرة حواليا. مافيش إخوات بيضحكوا. مافيش تمثيل.
بس كان فيه سلام غريب لأول مرة.
وقفت قدام المراية قبل كتب الكتاب بساعة، وأنا لابس البدلة السودة، وببص لنفسي كأني بشوفني لأول مرة.
خبط خفيف على الباب.
ريم دخلت.
اتجمدت.
كانت لابسة فستان نبيتي بسيط، وشعرها مربوط، وملامحها هادية بشكل غريب.
قلت بدهشة: ــ إنتِ جيتي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة: ــ ياسمين عزمتني.
طبعًا.
دي حاجة تعملها ياسمين.
ريم قربت وبصتلي ثواني طويلة.
ثم قالت: ــ عامل إيه؟
ضحكت بخفة: ــ معرفش.
هي كمان ضحكت.
لكن بعدها سكتت. ثم قالت: ــ أنا آسفة إننا وصلنا للي وصلنا له.
بصيت لها بوجع: ــ لا… أنا اللي آسف.
هزت راسها.
ــ يمكن إحنا الاتنين اتكسرنا وسط ناس ماكانوش عايزيننا نكمل.
الجملة دي كانت الحقيقة كلها.
ثم مدت إيديها ليا.
وفي إيديها… كان فيه آدم وعمر.
ولادي.
آدم جري عليا فورًا: ــ بابا!
حضنته بقوة لدرجة إنه ضحك.
وعمر مسكني من رجلي: ــ ينفع ننام في الفندق النهارده؟
ضحكت وسط دموعي: ــ ينفع يا حبيبي.
ريم بصتلي. ولأول مرة من سنين… ماكانش بينا غضب.
بس حزن قديم بيتقفل بهدوء.
قالت قبل ما تمشي: ــ ياسمين ست كويسة يا أدهم… ما تضيعهاش.
…
قبل كتب الكتاب بدقايق…
كنت واقف عند باب القاعة. متوتر بشكل سخيف.
ثم الأبواب اتفتحت.
وياسمين دخلت.
بفستان أبيض بسيط جدًا. من غير مبالغة. ومن غير استعراض.
لكن عينيها… كانت أهدى مكان شفته في حياتي.
كل الناس قامت تبص لها.
وأنا؟ كنت حرفيًا مش قادر أتنفس.
وقفت قدامي.
همست: ــ إيه؟ شكلي وحش؟
ضحكت بعين مليانة دموع: ــ شكلك زي النجاة.
يدها اترعشت في إيدي.
ثم قالت بهدوء: ــ جاهز؟
بصيت حواليا.
مافيش إخوات. مافيش عيلة كبيرة. فيه فراغات موجعة.
لكن لأول مرة… ماحستش إني وحيد.
بصيت لها.
ثم قلت: ــ أيوه.
…
بعد سنة…
كنت قاعد على الأرض في أوضة الأطفال الجديدة، ببني خيمة من البطاطين مع عمر وآدم، وياسمين بتضحك علينا من الباب وهي شايلة بنت صغيرة رضيعة.
بنتنا.
“ليلى.”
آدم كان بيحاول يقنع أخته الرضيعة إنها “عضو رسمي في فريق الخيمة”، وعمر مصر يحط نجوم فسفورية في السقف.
والبيت… كان مليان دوشة.
الدوشة اللي كنت فاكر زمان إنها عبء.
لكن طلعت حياة.
ياسمين قربت مني وهمست: ــ سرحان في إيه؟
بصيت حوالي.
في ولادي. في بنتي. في الست اللي أنقذتني من نفسي.
ثم ضحكت بهدوء: ــ كنت فاكر زمان إن العيلة هي الناس اللي تشيل اسمك.
بصتلي باستفهام.
قلت وأنا باصص لكم: ــ بس طلعت العيلة هي الناس اللي تشيل قلبك… وماتكسرهوش.
يتبع
