مراته السابقة حكايات رومانى مكرم 2

خلفه، أغلقت ليلى الباب بهدوء، وعادت لتجلس بجانب آدم، بينما واصل ياسين سيره نحو سيارته، تاركًا خلفه آخر فصول حياتهما معًا، ومستعدًا لمواجهة قصر التجمع الخامس البارد… وحيدًا كالعادة، ولكن هذه المرة، دون أي أوهام.
## الجزء الخامس والأخير: النوافذ المفتوحة
مرت ستة أشهر على ذلك المساء الهادئ في المعادي.
انسحبت مجموعة الدمنهوري تمامًا من مشروع حديقة الطفل الدولية، وبأوامر صارمة ومباشرة من ياسين، تم تسهيل كافة الإجراءات الإدارية والمالية لانتقال المشروع إلى شركة تطوير أخرى، دون أي تعقيدات أو شروط جزائية. بدا الأمر في الوسط العقاري وكأنه تنازل غير مفهوم من الحوت الأكبر، لكن بالنسبة لياسين، كان هذا هو الثمن الوحيد المتبقي ليدفعه ككفارة عن سنوات الصمت.
في مكتبه بالدور الأربعين، لم يتغير المشهد كثيرًا، الإزاز ما زال يكشف القاهرة كلها، والرخام الأسود ما زال يعكس أضواء المكاتب. لكن التغيير الحقيقي كان في الرجل الجالس وراء المكتب.
لم يعد ياسين يرتد صوته العالي في الممرات، وأصبحت قراراته أكثر هدوءًا وعقلانية. دخلت ميرنا فؤاد وهي تحمل جهازًا لوحيًا، وقالت بنبرة خلت من حدتها القديمة:
— ياسين، النهارده افتتاح حديقة الطفل في القاهرة الجديدة. التغطية الصحفية كبيرة جدًا، والوزير وصل الموقع من نص ساعة.
لم يرفع ياسين عينه عن الأوراق التي أمامه، لكنه قال بهدوء:
— الشغل طلع زي ما كانوا مخططين له؟
أومأت ميرنا برأسها، وعرضت على الشاشة مجموعة من الصور الحية للافتتاح:
— وأكتر.. المكان مبهج بشكل غريب يا ياسين. المساحات الخضراء واسعة، والوان جداريات الرسم خطفت عين كل الموجودين. الصحافة كلها بتتكلم عن الهوية الإنسانية للمشروع.
نظر ياسين إلى الشاشة لثوانٍ معدودة. لمح ليلى في إحدى الصور، كانت تقف وسط مجموعة من الأطفال، يديها ملوثة ببعض الألوان، وتضحك من قلبها وهي تشاهد طفلاً صغيرًا يضع بصمة كفه الملونة على الجدار. وبجانبها، كان آدم يقف مستندًا على جدار خرساني، يراقبها بنفس النظرة المحامية والدافئة.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، حقيقية، وخلت لأول مرة من أي مرارة. قال وميرنا تتأمله بنوع من الدهشة:
— مبروك ليهم.. يستاهلوا النجاح ده.
التفت ياسين بجسده نحو الحائط خلفه، حيث كانت اللوحة الزرقاء الدافئة لا تزال معلقة في مكانها البارز. نظر إلى الخطوط البيضاء التي تشبه النوافذ المفتوحة، وفهم أخيرًا ما تعنيه. ليلى لم تكن ترسم مجرد أشكال؛ كانت ترسم طريق خروجها إلى النور.
