تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ 3

تغيرت ملامحه فوراً، وتقلصت ابتسامته: “في شيء يا أنور؟ هل هناك بند لم يعجبك؟”
قلت بنبرة هادئة ومستقرة، لم أكن أعلم من أين استمددتها:
“الأوراق جاهزة للتوقيع يا أستاذ عادل.. لكن قبل أن أوقع، جئت أبلغك رسالة خاصة من زوجتي.”
عقد حاجبيه ب استنكار: “رسالة؟ من ابنة أبو راشد؟ وبأي خصوص؟”
ملتُ بجسدي نحو المكتب، وخفضتُ صوتي قائلاً:
“تقول لك.. صندوق المزرعة الشرقي لا يحوي وثائق قديمة فقط.. بل يحوي توقيعاً ثالثاً لم يمت صاحبه بعد.”
في تلك اللحظة، رأيتُ الرعب يرتسم على وجه المحامي كأنه رأى شبحاً. شحب لونه تماماً، وسقط القلم الصغير الذي كان يمسكه من يده على المكتب. وقف ببطء وهو ينظر نحو باب المكتب المقفل، ثم التفت إليّ وعيناه تتسعان بذهول، وقال بصوت يرتجف:
“أنت.. أنت من تكون بالضبط؟ ومن أين تعرف هذا الكلام؟”
وقبل أن أجيبه، اهتز هاتف عادل الموضوع على المكتب.. وكان المتصل هو “أبو راشد”. ونظر عادل إلى الشاشة، ثم إليّ، والعرَق يتصبب من جبينه.
أشار عادل إليّ بيده لكي أصمت، وكان وجهه قد تحول إلى اللون الرمادي. التقط الهاتف بيد مرتعشة، وحاول جاهدًا أن يستعيد نبرة صوته الطبيعية قبل أن يضغط على زر الرد.
“أهلاً أبو راشد.. نعم، نعم يا سيدي.. أنور عندي في المكتب الآن.. نحن نراجع الأوراق.. لا، لم يوقع بعد، هناك بعض التفاصيل التي نقرأها معًا.. نعم، نصف ساعة ويكون كل شيء جاهزًا.. علمك سيدي.”
أغلق الهاتف ووضعه على المكتب، ثم مسح حبات العرق التي تجمعت على جبهته بمنديل ورقي. نظر إليّ وعيناه تدوران في محجريهما كحيوان حوصر في زاوية ضيقة.
“أبو راشد يتصل من المطار،” قال عادل بصوت خافت كأنه يهمس لنفسه. “لديه رحلة عمل سريعة إلى دبي بعد ساعتين، ويريد أن يتأكد أنك وقّعت قبل أن تقلع طائرته.. هو يظن أنه أحكم الخناق عليك.”
ملتُ بجسدي إلى الأمام أكثر، وقلت بنبرة حملت كل القوة التي افتقدتها طوال سنوات فقري:
“أبو راشد يظن أنه يملك العالم بماله، لكنك تعلم يا أستاذ عادل أن التوقيع الثالث الذي تحدثتُ عنه يمكن أن ينهي إمبراطوريته في دقائق.. ويسحبك معه إلى نفس الزنزانة. أنا ليس لدي ما أخسره.. أمي مريضة وتموت، وأنا مستعد لفعل أي شيء، لكن أنت؟ هل أنت مستعد للتضحية باسمك وحريتك لأجل رجل يراك مجرد أداة؟”
بلع عادل ريقه بصعوبة. كان الصراع داخله واضحًا؛ الخوف من بطش أبو راشد من جهة، والرعب من السجن والوثيقة السرية من جهة أخرى.
نهض من خلف مكتبه، وتوجه نحو لوحة زيتية ضخمة معلقة على الجدار. أزاحها ببطء لتظهر خلفها خزنة حديدية رقمية صغيرة. أدار الأرقام بسرعة، وفتحها، ثم أخرج ملفاً أصفر قديماً يبدو عليه أثر السنوات.
