تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ 3

ثبّتت عينيها في عينيّ، واقتربت حتى كدتُ أسمع دقات قلبها المتسارعة، وقالت بنبرة حاسمة:

“قل له: (صندوق المزرعة الشرقي لا يحوي وثائق قديمة فقط.. بل يحوي توقيعاً ثالثاً لم يمت صاحبه بعد). هذه الجملة كانت شفرة بين أمي وبينه، وتعني أن هناك شاهداً حياً على تزوير التنازل، وإذا سمعها، سيعلم فوراً أنك لست كبش فداء أعمى، بل قنبلة موقوتة أرسلتُها أنا إليه.”

لم ننم تلك الليلة.

جلسنا نخطط لكل خطوة، نحسب الأنفاس، ونتوقع ردود الأفعال. غيّرتْ نظرتي إليها تماماً؛ هذه الفتاة لم تكن ضعيفة، بل كانت تختبئ خلف طبقات الخوف والصمت لتتحين اللحظة المناسبة للنجاة.

في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، رنّ جرس الغرفة. كان موظف الاستقبال يخبرني أن سائق “أبو راشد” ينتظرني بالأسفل.

التفتُّ إليها قبل أن أخرج. كانت تقف عند النافذة، تمسك بيدها مصحفاً صغيراً، ونظرت إليّ نظرة طويلة اختصرت كل مشاعر الخوف والرجاء، وأومأت برأسها كأنها تدفعني نحو حبل المشنقة.. أو نحو الحرية.

نزلتُ وركبتُ السيارة الفارهة. كان السائق صامتاً كالقبر، والجو داخل السيارة خانقاً رغم برودة التكييف. طوال الطريق، كانت صورة أمي وجهاز الأكسجين لا تفارق مخيلتي. كنت أعلم أنني أقامر بحياتها وحياتي في هذه الساعة.

وصلنا إلى بناية شاهقة في أرقى أحياء عمّان. صعدتُ إلى الطابق الثامن، ودخلتُ مكتب الأستاذ عادل. كان مكتباً فخماً، تملأ جدرانه كتب القانون والمجلدات الجلدية الضخمة.

استقبلني عادل بابتسامة صفراء باردة، ونهض من خلف مكتبه ليرحب بي:

“أهلاً يا عريس.. مبروك. عمك أبو راشد أوصاني بك كثيراً، وجدول أعماله مزدحم اليوم لذلك طلب مني إنهاء كل شيء معك بسرعة.”

أشار إليّ بالجلوس، ثم أخرج ملفاً جلدياً أسود وضعه أمامي، وفتح الصفحة الأخيرة حيث كانت هناك خانات فارغة مخصصة لتوقيعي.

“هذه أوراق نقل ملكية الشقة، وعقد التعيين في المجموعة، بالإضافة إلى تفويض عام لإدارة فرع الاستيراد والتصدير الجديد.. وقع هنا وهنا، لنبدأ إجراءات التأمين الصحي الشامل لوالدتك اليوم قبل المساء،” قالها وهو يمد لي قلماً ذهبياً ثقيلاً، وعيناه تراقبان أصابعي بترقب.

نظرتُ إلى القلم، ثم إلى الأوراق. لمحتُ في السطور الصغيرة كلمات مثل “تتحمل الإدارة المفوضة كافة التبعات المالية والقانونية والديون السابقة واللاحقة للفرع”. كانت المصيدة واضحة، ومعدة بإحكام شديد لخنقي.

أرجعتُ ظهري إلى الخلف، ووضعتُ القلم على المكتب ببطء، ونظرتُ في عيني عادل مباشرة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!