حكايات اسما السيد 4

> يا بني.. أنا لم أكن فقيرًا يومًا، لكنني عشت بسيطًا لأنني أدركت أن البركة في الرضا وليس في كثرة المال. لم أرد أن أترك لك هذه الأرض والمال وأنت صغير فتعميك مظاهر البندر وتظن أنك تملك العالم بقوتك. تركتك تشقى وتبني نفسك بنفسك لتنزع من قلبك الكبر والغشاوة.
> والآن، هذه الأرض هي حقك، لتزرعها بالخير، وتذكر دائمًا أن معدن الإنسان يظهر عند الغنى، ومعدن المرأة يظهر عند الفقر.. فاصن أمانتك.”
>
سقطت دموعي على رسالة أبي، وعرفت كم كان عظيمًا وبعيد النظر، وكم كنت صغيرًا عندما خجلت من هذا البيت الذي يحمل وراء جدرانه كل هذا الشرف والستر والبركة.
خرجتُ إلى الفناء والدموع لا تزال في عيني، فوجدتُ أمي تقف بجوار ياسمين، تنظران إليّ بلهفة وقلق. مشيتُ نحوهما، وانحنيتُ أقبل رأس أمي ويدها وأنا أقول بصوت خاشع:
— “الله يرحمك يا بويا.. عيشتنا مستورين، وسبتلي أكبر ورث في الدنيا.”
ثم التفتُّ إلى ياسمين، وأمسكتُ يدها، ووضعتُ رسالة أبي وعقود الأرض بين كفيها، وقلت لها أمام أمي:
— “ياسمين.. الأرض دي والعز ده كله بتاعك إنتي. إنتي اللي اشتريتي طين البيت وهو متهالك، والنهاردة الأرض دي بتفتح لك خيرها.. أنا مش هبيع الشقة في القاهرة، بس من النهارده، مفيش إجازة ولا عطلة هتعدي علينا إلا وهنكون هنا، وسط الأرض والناس اللي علموني يعني إيه راجل بجد.”
ابتسمت ياسمين وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت وهي تنظر إلى أمي:
— “أنا محبتش الأرض لإنها ملكك يا أدهم.. أنا حبيتها لإنها جابتك ليا.”
ضمتنا أمي معًا وهي تطلق زغرودة صعيدية قوية هزت أركان البيت الجديد، لتعلن للقرية كلها أن ابن الحاجة زينب عاد لأصوله، وتزوج من ملكة توجت بيته بالستر والرضا.
في تلك الليلة، وأنا أجلس في الفناء تحت السماء الصافية، أدركت أنني بدأت الاختبار وأنا أظن نفسي حكمًا، وانتهى بي المطاف تلميذًا في مدرسة الأصول.. وأنه لولا نقاء ياسمين وبركة أمي، لكنت عشت غنيًا في جيبي، فقيرًا وخاويًا في روحي إلى الأبد.
