حكايات اسما السيد 4

التفتت ياسمين إليّ، وعيناها تلمعان بدموع السعادة، وقالت برقة:
— “المكان بقى أجمل بكتير يا أدهم.. بس والله لو كان فضل على حاله القديم، كنت هبقى مبسوطة فيه برضه، لإن البركة في اللي عايشين جواه.”
دخلنا البيت، وقضينا الأيام الأولى في الصعيد كأننا في حلم. كانت ياسمين تستيقظ مع الفجر لتساعد أمي، وأنا أخرج مع أهل القرية وأتعلم من مجالسهم ما فاتني من حكمة الحياة. شعرت لأول مرة في حياتي بمعنى الراحة الحقيقية؛ الراحة التي لا تشتريها الشقق الفاخرة في التجمع ولا المناصب الكبيرة في الشركات.
وفي نهاية الأسبوع الثاني، وبينما كنا نجمع أغراضنا للاستعداد للعودة إلى القاهرة وبدء حياتنا العملية، اقتربت مني أمي في الحوش، وأمسكت بيدي بعيدًا عن ياسمين، ووضعت في كفي مفتاحًا حديديًا قديمًا ومعه ورقة صغيرة مطوية..
نظرتُ إلى المفتاح وأنا لا أفهم معناه، فقالت لي أمي بنبرة جادة وصوت منخفض يحمل سرًا غامضًا:
— “المفتاح ده يا أدهم، بتاع الصندوق الحديد القديم اللي سابه أبوك الله يرحمه في الأوضة الجوانية.. قالي متفتحهوش ولا تديه لأدهم إلا لما يتجوز بنت أصول بجد ويثبت إنه بقى راجل يعتمد عليه ويصون السر. ادخل افتحه يا ابني وشوف أبوك كان شايلك إيه للوقت ده بالذات..”
تابعو صفحه رومانى مكرم
أخذتُ المفتاح من يد أمي ونبضات قلبي تتسارع، توجهتُ بخطوات متهيبة نحو الغرفة الجوانية، تلك الغرفة التي كانت تفوح منها دائمًا رائحة الذكريات وعبق الماضي. في الزاوية البعيدة، كان يقبع الصندوق الحديدي القديم، يعلوه قفلٌ ثقيل صدئ، لطالما رأيته في طفولتي وظننته مجرد قطعة من أثاث البيت المهجور.
وضعتُ المفتاح في القفل، ودار بصوت معدني خشن وكأنه يفتح بوابات الزمن. رفعتُ الغطاء الثقيل، فوجدتُ في الداخل قطعة قماش خضراء مطرزة بعناية، وتحتها ملف أوراق قديم وصورة لأبي وهو في عز شبابه، مبتسمًا وعيناه تحملان نفس النظرة الحكيمة التي افتقدتها لسنوات.
فتحتُ الملف، لتسقط منه المفاجأة التي لم تتوقعها أقصى خيالاتي.. كانت الأوراق عبارة عن عقود ملكية رسمية لثلاثة فدادين من أجود الأراضي الزراعية في القرية، مسجلة باسمي منذ أن كنت طفلًا، بالإضافة إلى دفتر توفير بنكي قديم تم تحديثه بانتظام، يحوي مبلغًا ماليًا كبيرًا كافيًا لبناء قصر، وليس مجرد ترميم بيت.
ومع العقود، كانت هناك رسالة بخط يد أبي، فتحتها بـأصابع ترتعش وقرأت كلماتها:
> “إلى ابني أدهم.. إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنني رحلت، ويعني أنك أصبحت رجلًا، وتزوجت من امرأة صانتك وصانت أمك وبيتنا القديم.
