حكايات اسما السيد 3

كانت كلمات أمي تهز جدران الغرفة، ودموع ياسمين تنهمر بصمت وهي تنظر إليّ ثم تنظر إلى أمي. التفت والد ياسمين إليّ، ونظر إليّ بنظرة هادئة لكنها تحمل حكمة السنين، وقال بصوت ضعيف متعَب:

— “يا حاجة زينب.. إنتي على راسنا من فوق، واليمن والبركة في قدمك. أدهم غلط لما افتكر إن المعدن الطيب بيحتاج اختبار.. بس إحنا ولاد أصول، وما بنردش الكبار.. القرار في الأول والآخر لـ ياسمين.”

اتجهت الأنظار كلها نحو ياسمين. نظرت ياسمين إلى أمي، ثم التفتت نحوي، ورأيت في عينيها صراعًا مريرًا بين كبريائها المجروح وحبها الكبير الذي لم يمت تماماً. خطت خطوات نحو الباب حيث أقف، ووقفت أمامي مباشرة، وأخرجت من حقيبتها مظروفاً مغلقاً وضَعته في يدي..

نظرتُ إلى المظروف في يدي، ثم نظرتُ إليها بقلب يرتجف. كانت ملامحها هادئة بشكل مخيف، وهدوء ياسمين دائمًا ما كان يعني أنها اتخذت قرارًا حاسمًا لا رجعة فيه.

فتحتُ المظروف بطلب من نظراتها، لتسقط منه مجموعة من الأوراق والوصولات البنكية، بالإضافة إلى علبة مخملية صغيرة أعرفها جيدًا.. علبة “الشبكة” الذهب التي اشتريتها لها قبل أسابيع.

غصّ حلقي بالكلام، وقبل أن أنطق، سبقتني هي بصوتها الرزين الذي يحمل نبرة حزن عميق:

— “ده جزء من الفلوس اللي دفعتها في المستشفى، سحبت كل اللي في دفتري، والباقي مَكتوب بيه وصل أمانة في المظروف، هسددهولك على أقساط شهرية مش هلتزم بأي مليم غيرهم. أما العلبة دي.. فدي أمانتك اللي ملهاش مكان عندي بعد النهارده.”

شعرتُ وكأن الأرض تميد بي، وتدخلت أمي فورًا والدموع في عينيها:

— “ليه كده يا بنتي؟ ده أنا جيت وشقيت السفر علشان خاطرك.. متصغريش راسي قدام ولدي يا ياسمين.”

التفتت ياسمين إلى أمي، وانحنت تقبل يدها باحترام شديد وقالت:

— “يا ماما زينب، إنتي مقامك فوق راسي، والخطوة اللي مشيتيها علشاني دي دين في رقبتي ليوم الدين. أنا مش برفضك إنتي.. أنا البيت اللي إنتي عايشة فيه لمس قلبي، وأتمنى في يوم من الأيام أكون بربع طيبتك ونقائك. بس الجواز أمان وثقة.. وأدهم مأمنيش. أدهم شافني متهمة في قفص، وكان مستني اللحظة اللي أغلط فيها علشان يثبت لنفسه ولأصحابه إنه صح. أنا مقدرش أعيش مع راجل كل خطوة بتمشيها معاه محتاجة إثبات ومراقبة.”

أشفقتُ على نفسي من نظرات اللوم التي حاصرتني من أمي ومن والدها، فجمعتُ شتات نفسي، وتقدمتُ نحوها، ولأول مرة في حياتي، أترك كبريائي وعنجهيتي تمامًا، وقلت والدموع تطفر من عيني:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!