حكايات اسما السيد 2

توقفت الحاجة زينب في مكانها، واتسعت عيناها بذهول، ثم التفتت إليّ ونظرت إليّ بنظرة حادة حملت كل معاني اللوم والتوبيخ، قبل أن تتوجه نحو ياسمين وتأخذها في حضنها وتبكي بكاءً حارًا وهي تقول:

— “يا بنتي.. يا نخلة عالية وطرحها طيب.. إنتي كتير علينا يا بنتي، إنتي جوهرة غالية قوي.”

وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت أمي تحتضن ياسمين وتبكي، اقتربتُ منهما وأنا أشعر برغبة عارمة في إنهاء هذه اللعبة القذرة والاعتراف بكل شيء، مهما كانت العواقب.. لكن فجأة، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، رن هاتف ياسمين برقم غريب، وعندما أجابت، تغيرت ملامح وجهها تمامًا، وسقط الهاتف من يدها على الأرض الترابية..

تابعو صفحه رومانى مكرم

التقطتُ الهاتف بسرعة من على الأرض والتقطت ياسمين أنفاسها بصعوبة، كانت ملامحها قد تحولت من الفرحة الطاغية إلى ذهول ورعب حقيقي. نظرتُ إلى شاشة الهاتف لأرى الرقم، لكن الخط كان قد انقطع.

— “في إيه يا ياسمين؟ مين اللي كان بيكلمك؟” سألتها بقلق والوجوم يسيطر على المكان.

نظرت إليّ وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بصوت مرتعش:

— “ده.. ده رقم المستشفى في القاهرة.. بيقولوا إن بابا تعب فجأة ونقلوه العناية المركزة.. أدهم، أنا لازم أرجع فورًا!”

في تلك اللحظة، سقطت كل الأقنعة. نسيتُ الاختبار، ونسيتُ خجلي من البيت، ولم يعد يشغلني سوى إنقاذ الموقف. التفتُّ إلى أمي التي كانت تنظر إلينا بذعر، فقالت لي بصوت حازم وجاد، متخلية تمامًا عن دور المريضة الذي فرضته عليها:

— “سافر يا ابني.. خُد مرأتك وطير على القاهرة، أبوها ملوش غيركم دلوقتي. ومتشيلش همي أنا زينة ومفياش واصل.”

لم نضيع دقيقة واحدة. لم ننتظر أتوبيسًا ولا ميكروباص، بل أجريتُ اتصالًا سريعًا بأحد معارفي في القرية ممن يملكون سيارة حديثة، وطلبت منه أن ينقلنا إلى القاهرة بأقصى سرعة مقابل أي مبلغ يطلبه.

طوال طريق العودة، كانت ياسمين تبكي بصمت وتدعو لوالدها، وأنا جالس بجوارها أتحرق شوقًا لأواسيها، لكنني كنت أشعر بجدار من الخزي يفصلني عنها. كيف كنت أختبر معدنها في المال والفقر، بينما هي تحمل همومًا حقيقية وتملك قلبًا يتسع للعالم كله؟

عندما وصلنا إلى المستشفى الكبير في القاهرة، هرعنا إلى قسم الطوارئ. كان أعمام ياسمين هناك، والتوتر يملأ الأجواء. طمأننا الطبيب قائلًا إنها أزمة قلبية مفاجئة وتم السيطرة عليها، لكن الأب يحتاج إلى جراحة عاجلة لتركيب دعامات في القلب، والتكلفة كانت باهظة جدًا وتتجاوز قدرة عائلتها البسيطة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!