بعد ٣ سنين نور محمد 2

تجمدت في مكاني والخيارات تحاصرني كأنشوطة حبل تضيق على رقبتي. الطبيب صرخ بالتمريض ليجهزوا غرفة نقل الدم، وشيرين واقفة بابتسامة نصر خبيثة تلوح بالهاتف، وعمر ما زال باكيًا على الأرض لا يحرك ساكنًا.

نظرت إلى الطفلة خلف الزجاج، كانت أنفاسها تضيق، وجهاز قياس نبضات القلب يصدر أصواتًا متسارعة تدل على الانهيار. في تلك اللحظة، لم أفكر في خيانة أمي، ولا في غدر عمر، فكرت فقط في “هنا” أختي الراحلة، وفي تلك الطفلة التي لا ذنب لها في قذارة هذا العالم.

دفعت شيرين بكل قوتي حتى ترنحت وكادت تسقط أرضًا، وصرخت في وجهها:

– “أمي اللي غلطت تتحمل نتيجة غلطها… لكن البنت دي هتعيش!”

ركضت خلف الطبيب إلى داخل غرفة سحب الدم. استلقيت على السرير والدموع لا تتوقف عن الجريان على وجنتي، بينما الممرضة تغرز الإبرة في وريدي. كنت أنظر إلى الكيس وهو يمتلئ بدمائي، وأدعو الله أن ينجي هذه البريئة.

بعد حوالي ساعة، خرجت من الغرفة جسدي يرتجف ودواري يزداد. وجدت الممرضة تطمئنني وهي تركض بالكيس نحو العناية: “الحمد لله يا مدام، لحقناها في آخر لحظة، جسمها هيبدأ يستجيب.”

تنفست الصعداء، لكن الراحة لم تدم إلا لثوانٍ. التفتُّ حولي فلم أجد شيرين في الطرقة. التفتُّ لعمر الذي كان يحاول الوقوف مستندًا إلى المقاعد، وسألته بحدة:

– “فين شيرين؟! راحت تبلغ عن أمي؟”

عمر هز رأسه برعب وقال وهو يرتعش:

– “شيرين مكنتش هتبلغ عن أمك يا رحاب… شيرين كانت بتهددك عشان تمنعك تدخلي الأوضة لأنها عارفة السر التاني اللي في الورقة!”

عقدت حاجبي بعدم فهم وتراجعت خطوة:

– “سر تاني؟ سر إيه؟ مش قولتوا إنها بنت أختي ‘هنا’ وأمي وعمر زورا ورقها؟”

عمر اقترب مني وهمس بصوت كالفحيح وعيناه تلتفتان حوله خوفًا:

– “شيرين كدبت عليكي في نص الحقيقة عشان تخبي المصيبة الكبيرة… أمك ملقيتش البنت دي مع ‘هنا’ في المستشفى… ‘هنا’ أختك ماتت وهي حامل في الشهر الخامس أصلاً في المستشفى دي بسبب تسمم حمل والبنت منزلتش عايشة!”

شعرت فجأة ببرودة تجري في أطرافي، وتيبس لساني وأنا أسأله:

– “أومال البنت دي بنت مين؟! وإزاي شبهي وشبه أختي كأنه مفيش غيرنا؟!”

عمر بلع ريقه بصعوبة وأخرج من جيبه النصف السفلي الممزق من الورقة التي رمتها شيرين، والذي خبأه عنها وعن الجميع، ومد يده لي به وهو يقول:

– “البنت دي تبقى بنتك إنتي الحقيقية يا رحاب… بنتك اللي ولدتيها في السابع! أمي وأمك اتفقوا مع دكتور الحضانة يوهموكي إنها ماتت عشان شيرين تاخدها… شيرين هي اللي كانت مأجرة رحم أختك ‘هنا’ في السر برة مصر ولما الحمل فشل وماتت أختك، شيرين اتجننت وبقت عايزة أي عيل تدعي إنه ابنها عشان تاخد ورث أبوها… ولما إنتي ولدتي، أمك باعيتلك بنتك لشيرين عشان الفلوس! البنت دي بنتك من دمي ودمك!”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!