عزاء امى ٢
امانى السيد

بعد كام يوم قضيتهم في بيت أمي وسط ذكرياتها ووجع فراقها، لقيت نفسي مضطرة أروح الشقة عشان ألمّ شوية هدوم ليا وحاجات ضرورية أحتاجها للفترة الجاية. فتحت الباب بالراحة، وكان البيت هادي هدوء غريب ومقبض، كأن الحيطان نفسها حاسة إن كل حاجة هنا اتهدت.
دخلت الأوضة وبدأت أجمع الهدوم وأحطها في الشنطة وإيدي لسه بترعش، وفجأة سمعت صوته جاي من الصالة. كان بيتكلم في التليفون.. بس الصوت المرة دي كان غريب عليا، صوت مليان حنية ولهفة وضحك من القلب، نبرة عمري ما سمعتها منه وأنا بشتكي له من تعبي أو بقاسي في حزني.
قربت من الباب وكتمت نفسي وأنا بسمعه وهو غرقان في الكلام مع بنت خالته. كان بيقولها بامتنان: “يا حبيبتي تسلميلي، لولا كلامك معايا الكام يوم اللي فاتوا دول أنا مكنتش هعرف أستحمل النكد والغم ده.. خلاص هانت كلها شوية وكل حاجة تترتب ونبقى سوا”. كانت كلمات الحب والهيام طالعة منه بكل أريحية، وكأني متوفيتش أمي من كام يوم، وكأنه عايش قصة حب جديدة فوق جرحي وقهرتي!
في اللحظة دي، حسيت إن في خنجر اتغرس في ضهري، بس غريبة.. مدمعتش. الوجع كان أكبر من الدموع، والصدمة خلتني أربط على قلبي. ملقيتش نفسي عايزة أدخل أواجه ولا أعمل فضيحة، الشخص ده خلاص سقط من نظري تماماً ومبقاش يستاهل حتى العتاب.
لميت باقي حاجتي في الشنطة بسرعة، وقفلت سستتها، وخرجت من الشقة وهو لسه مندمج في تليفونه ومش دريان بالكون. نزلت والشنطة في إيدي، ورجعت بيت أمي وأنا حاسة إن النقطة الأخيرة في كتاب حكايتي معاه اتحطت خلاص.
أول ما دخلت، قعدت مع إخواتي، وبكل ثبات وهدوء غريب، بصيت لهم وقولت: “أنا هاخد قرار بالطلاق.. مش هعتب عتبة البيت ده تاني. اللى يسترخص دموعي في موت أمي ويروح يحب ويعيش حياته وأنا بتهان في بيته، ملوش مكان في حياتي ثانية واحدة.”
إخواتي لما شافوا الحسم اللي في عيني وعملوا حساب للوجع والخيانة اللي عشتها، وقفوا جنبي وقالوا لي: “اللى تشاوري عليه هنعمله، وإحنا معاكي في ظهرك لحد ما تاخدي كل حقوقك.”
حسيت وقتها إن في حمل جبال اتشال من على كتافي، وكأن قرار الطلاق ده هو أول خطوة باخدها عشان أرجع كرامتي اللي اتهدرت، وأبدأ حياتي من جديد.
بعتتله مع أخواتي وقولتله إني عايزة الطلاق. أول ما عرف، الدنيا قامت ومقعدتش، ورفض تماماً وبدأ يماطل ويلف ويدور. كان فاكرني الست الضعيفة اللي هترجع تندم، وبدأ يقول: “مفيش طلاق، ولو عايزة تمشي امشي بس مالكيش عندي مليم واحد، اطلعي برة بشنطة هدومك زي ما جيتي!”

