تعلقت عيناي بورقة وكيل النيابة الصغيرة وكأنها طوق النجاة الأخير وسط أمواج هذه الكارثة، وقلبي يكاد يتوقف عن النبض. نظر إليّ وكيل النيابة بنظرة فاحصة، ثم قال: «إحنا فحصنا حركة السحب والإيداع للحساب المشبوه اللي اتفتح باسمك.. ولقينا إن كل عمليات السحب النقدي اللي تمت من ماكينات الصراف الآلي، أو المعاملات الائتمانية في دبي ومصر، كانت بتتم في أوقات وتواريخ محددة جداً.. والأهم، إننا قارنا التواريخ دي بسجلات المستشفى وبلاغ الطوارئ اللي اتقدم بخصوصك من الكافيه الأسبوع اللي فات، وكمان بساعات حضورك وانصرافك في شغلانتك التانية». صمت وكيل النيابة للحظة، ثم تابع بلهجة أكثر هدوءاً: «في الوقت اللي الحساب ده كان بيسحب منه آلاف الجنيهات والدولارات في دبي ومناطق في القاهرة، كاميرات المراقبة الخاصة بالكافيه وسجلات تشغيلك بتثبت إنك كنتِ واقفة على رجلك بتشتغلي 12 ساعة متواصلة.. وفي اليوم اللي تم فيه توقيع شيك القرض الكبير بالبنك، أنتِ كنتِ محجوزة في الطوارئ ومتركبلك محلول وجسمك خالي من التغذية.. من الناحية الفنية الفندقية والزمنية، مستحيل تكوني أنتِ اللي قمتِ بالمعاملات دي أو كنتِ على علم بيها». تنفست الصعداء، وشعرت بدموعي تتساقط بغزارة على وجهي، دموع راحة ممزوجة بوجع لا ينتهي. القاضي أثبت براءتي المبدئية من التواطؤ، لكن الكابوس لم ينتهِ بعد. في هذه اللحظة، طرق أحد أمناء الشرطة الباب ودخل مسرعاً، وسلم وكيل النيابة تقريراً ثانياً ومغلفاً مغلقاً.. كان التقرير القادم من تفتيش منزلنا وفحص محتويات حقائب ياسمين المحرزة. تغيرت ملامح وكيل النيابة تماماً وهو يقرأ التقرير الجديد، ورفع نظره إليّ وقال بصوت حازم: «الوضع اتغير تماماً يا آنسة سلمى.. القوة اللي فتشت البيت لقت في قاع شنطة ياسمين المزدوج.. أوراق تانية خالص، وعقود شراكة لشركات وهمية مسجلة برضه باسمك.. لكن الأخطر من ده، هو التقرير اللي جه من قرية البضائع بميناء بورسعيد بخصوص الحاوية المحجوزة». ابتلعت ريقي وسألته بصوت مرتعش: «فيها إيه الحاوية دي يا فندم؟» قال وكيل النيابة وهو يفتح المغلف ويخرج منه صوراً فوتوغرافية للبضائع المضبوطة: «الحاوية مكنتش بضائع وشنط ماركة بس زي ما أختك ادعت عشان تغطي على الملايين.. الحاوية كانت تحتوي على شحنة ضخمة من الأجهزة الطبية المستعملة والمحظور استيرادها، والمدعومة بأوراق وفواتير مزورة ومصنفة على إنها أجهزة جديدة.. والتحريات بتقول إن ياسمين كانت مجرد واجهة أو (وسيط) لشخص تاني تقيل جداً في دبي ومصر، والشخص ده هو اللي بيمول العمليات دي كلها وبيديرها من ورا الستار، ومستغل اسمك والتوكيل اللي مع والدتك كغطاء قانوني كامل يحميه لو الشحنة اتمسكت!» نزلت الكلمات كالصاعقة.. ياسمين وأمي لم تقعا فقط في فخ الطمع والمظاهر، بل تورطتا مع شبكة تهريب دولية خطيرة، ووضعتا اسمي أنا في مدفع المواجهة مع أجهزة الدولة. خرجت من غرفة التحقيق بضمان محلي وكشاهدة ومجني عليها في الق*ضية، بينما تم تجديد حبس ياسمين وأمي على ذمة التحقيقات بتهم التزوير، واستعمال محرر رسمي مزور، والتهريب الجمركي. في الممر الخارجي، وجدت أبي يجلس على أحد المقاعد، وجسده يبدو كأنه انحنى عشرين عاماً لـلأمام في ليلة واحدة. نظر إليّ وعيناه حمراوان من قلة النوم والقهر، وقام واحتضنني وهو يبكي بلا صوت. قال لي بنبرة مكسورة: «المحامي قالي على اللي حصل يا سلمى.. ياسمين اعترفت في التحقيق بالضغط.. واعترفت على الشخص اللي كان بيشغلها في دبي.. والشخص ده عرف إن الشحنة اتمسكت وإن أختك في النيابة..» صمت أبي فجأة وجسده يرتجف، فنظرت إليه بقلق وقلت: «في إيه يا بابا؟ هو كلمك؟» أخرج أبي هاتفه بيد ترتعش، وأراني رسالة نصية وصلت على هاتفه قبل دقائق معدودة من رقم غير معروف.. رسالة جعلت الدماء تتجمد في عروقي من جديد، وحولت الق*ضية من مجرد تزوير وأموال عامة.. إلى تهديد مباشر بالقت*ل! تابعو صفحه رومانى مكرم نظرتُ إلى شاشة الهاتف بيدين ترتعشان، وكانت الرسالة مكتوبة بلهجة باردة ومهددة: «يا نبيل بيه.. لمّ بنتك ياسمين وخلّيها تقفل بقها في النيابة. الشحنة اللي راحت إحنا هنعوضها، لكن لو اسمنا اتنطق في التحقيق، انسى إن عندك بنات خالص.. وأولهم سلمى اللي لسه بتلف في الشوارع لوحدها الفجر». انقطعت أنفاسي. الخوف هذه المرة لم يكن من سجن أو ديون، بل كان خوفًا مرعبًا على حياتي وحياة أبي. الشخص الذي يقف وراء ياسمين ليس مجرد تاجر، بل هو شبكة منظمة قادرة على مراقبتي ومعرفة تحركاتي بدقة، بل ويستخدمونني الآن كأداة ضغط لضمان صمت ياسمين وأمي. أبي سحب الهاتف من يدي بسرعة، وتوجه بخطوات سريعة وعنيفة نحو مكتب وكيل النيابة مجددًا، وعلامات الغضب قد محت انكساره. دخلنا المكتب، وعرض أبي الرسالة على وكيل النيابة الذي تغيرت ملامحه على الفور، وقام برفع سماعة الهاتف وطلب تحويل الرسالة والرقم فورًا إلى مباحث الاتصالات والأمن العام لتتبع مصدرها وتحديد موقع إرسالها. تم استدعاء ياسمين من حجزها على الفور لإعادة استجوابها تحت ضغط هذا التهديد الجديد. أتوا بها وهي مكلبشة اليدين، وجهها كان شاحبًا كالأموات، وشعرها مبعثر، والغرور الذي كان يملأ عينيها في دبي تحول إلى رعب حقيقي. وكيل النيابة أراها الرسالة وقال لها بصوت حاد كالرصاص: «أختك وأبوكي بيتهددوا بالق*تل بسبب القذارة اللي ورطتيهم فيها.. انطقي! مين الشخص اللي مشغلك؟ مين اللي باعت الرسالة دي؟» انهارت ياسمين وسقطت على ركبتيها وهي تصرخ بكاءً: «والله ما أعرف اسمه الحقيقي! أنا كنت عارفاة في دبي على إنه (إياد بيه).. كان بيشغل بنات كتير في العلاقات العامة والشحن، وهو اللي قنعني إن الموضوع ميرفضش، وقالي إن اسم أختي سلمى بعيد عن الشبهات لأنها معندهاش أي نشاط تجاري ومحدش هيشك في حساباتها.. هو اللي كان بيديني الفلوس عشان أشتري الشنط والمظاهر دي عشان أبين قدام الناس إني سيدة أعمال ناجحة وأعرف أخلص ورق الشحنات!» تابعت ياسمين وهي تنظر إليّ برجاء ذليل: «سامحيني يا سلمى.. والله ما كنت أعرف إنه مؤذي كده! هو قالي إن الموضوع أمان.. أنا مكنتش عايزة أأذيكي..» قاطعها وكيل النيابة وهو يدون أقوالها: «إياد ده مصري؟ تليفونه كام؟ إزاي بتتواصلوا؟» قالت بنبرة متقطعة: «أيوه مصري.. بس معاه جنسية تانية.. وكان بيكلمني من خطوط مشفرة.. بس هو حاليًا موجود في مصر.. جه مخصوص عشان يستقبل حاوية الأجهزة الطبية من بورسعيد!» في هذه الأثناء، دخل ضابط المباحث مسرعًا إلى الغرفة بتقرير من الأمن العام، وقال لوكيل النيابة: «يا فندم، تتبعنا الرقم اللي بعت رسالة التهديد للأستاذ نبيل.. الإشارة طلعت من منطقة قريبة جدًا من الميناء في بورسعيد.. وجهاز تتبع الحاوية رصد تحركات مشبوهة حوالين المخازن التحفظية للجمارك هناك.. شكلهم بيحاولوا يهربوا الشحنة أو يحرقوها عشان يضيعوا الأدلة!» التفت الضابط إليّ وإلى أبي وقال بحزم: «أستاذ نبيل، إحنا هنخصص قوة حراسة لبنتك سلمى ولحضرتك لحين القبض على التشكيل ده.. والآنسة ياسمين ووالدتها هيتم ترحيلهم لسجن القناطر على ذمة التحقيق بتهم الانضمام لشبكة تهريب دولية والتزوير». نظرتُ إلى ياسمين وهي تُساق خارج الغرفة وسط بكائها المرير، ولم أشعر بأي شفقة تجاهها.. بل شعرت بالرعب من القادم. خرجنا من النيابة بصحبة سيارة حراسة تابعة للشرطة، وكان الوقت قد قارب على ظهيرة اليوم التالي. وصلنا إلى شقة أبي القديمة لأنها أكثر أمانًا، لكن بمجرد أن فتحنا الباب ودخلنا الصالون.. تجمدت أنا وأبي في مكاننا. على الطاولة التي كانت تمتلئ قبل ساعات بأوراق الق*ضية.. كانت هناك علبة قطيفة سوداء صغيرة، لم تكن موجودة عندما غادرنا مع الشرطة.. وبجانبها ورقة كُتب عليها بخط اليد: «الحراسة مش هتحميكي طول العمر يا سلمى.. الشحنة تخرج.. وإلا..»