جوزى توفى حكايات امانى السيد 1

بدأت ألمّح لها بذكاء عن “تغير” الرجال، وكيف أن الرجل الكريم قد يمل من الروتين ويحتاج لامرأة “تقدر” قيمته الحقيقية. كنت أبذر بذور الشك في قلبها ببطء، وفي نفس الوقت، كنت أرسم لنفسي صورة “الملاك الحزين” أمام زوجها.

وفي ليلة، أرسلت له رسالة قصيرة قبل النوم، كانت تبدو عادية لكنها تحمل ألف معنى:

> “شكراً على كل شيء.. الأولاد ناموا وهم بيدعولك، وأنا كمان.”

>

 

لم يتأخر الرد كثيراً، جاءت رسالته مقتضبة: **”تصبحي على خير يا أم الأولاد، ده واجبي.”** رغم برود الكلمات، إلا أن مجرد رده كان بالنسبة لي ضوءاً أخضر. بدأت أدرك أن “الشهامة” هي المدخل الوحيد، وأنني يجب أن أكون الشخص الذي “يفهمه” أكثر من زوجته.

بدأت أغير من طريقتي في استقباله؛ لم أعد تلك الأرملة الباكية طوال الوقت، بل أصبحت المرأة التي تهتم بتفاصيل راحته في منزلي البسيط. كلما زارنا، كان يجد البيت معطراً، والهدوء يلف المكان، وصوراً لأولادي وهم يدرسون بجد بفضل أمواله، كنت أصدر له دائماً صورة “المرأة الممتنة” التي تقدّس المعروف، عكس صديقتي التي بدأت، بتدبير مني، تظهر أمامه بمظهر الزوجة “المتطلبة”.

### **بذور الشقاق**

في جلساتنا الخاصة، كنت أتعمد “نقل” صورة مشوهة لها عن استيائه الخفي، وكنت أقول لها بنبرة ناصحة:

* “يا حبيبتي، خفي عليه شوية في المصاريف، أنا حاسة إنه شايل هم كبير اليومين دول، حتى لما بيجي عندي بيبان عليه التعب.”

* فتنقبض ملامحها وتسألني بقلق: “بجد؟ ده مبيحكيش ليا حاجة خالص!”

* فأجيبها بسمّ مدسوس في العسل: “يمكن مش حابب يقلقك، أو يمكن حاسس إنك مشغولة عنه بالولاد والبيت.”

بهذه الطريقة، كنت أدفعها دفعاً نحو النكد والشك، وكنت أعلم أن الرجل إذا ضاق به الحال في بيته، بحث عن “مرفأ” هادئ.. وأنا كنت أعدّ له ذلك المرفأ بكل عناية.

### **المواجهة الصامتة**

في ظهر يوم جمعة، اتصلت به وأنا أدعي البكاء والارتباك. أخبرته أن ابني الصغير حرارته مرتفعة جداً وأنا بمفردي ولا أعرف ماذا أفعل. جاء كالعادة مسرعاً، كانت المرة الأولى التي يرى فيها “ضعفي” بهذا القرب.

بينما كان يطمئن على الصغير، اقتربت منه لدرجة لم يسبق لها مثيل، وقفت خلفه تماماً وقلت بصوت يرتجف:

**”أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.. الدنيا دي وحشة قوي يا أبو فلان، والواحد فيها بيبقى محتاج حد يحس بيه مش بس يصرف عليه.”**

التفت إليّ، وكانت المسافة بيننا لا تسمح بالهروب من نظرة عيني. رأيت في عينيه للحظة ارتباكاً لم أره من قبل، صمت طويل قطعه هو بصعوبة قائلاً: **”البيت ده بيتي التاني، وأي حاجة تعوزيها أنا موجود.”**

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!