حكايات زهره الربيع 3

عمي يونس جري على الشنطة الجلد، لم الكام ورقة اللي فاضلين فيها وفضل باصص للقفل الحديد المكسور في الأرض. ملامح المجنون اللي عاش بيها تلات سنين رجعت تظهر على وشه بس المرة دي من الرعب المشحون بالعقل، بص ليوسف وقال: “الغفر مشيوا مع المأمور، والعزبة كلها قفلت بيوتها من الخوف.. مفيش حد هيقف قصاد عرب الجبل.. لازم نخرج من البيت ده فوراً!”.
“نخرج نروح فين يا يونس؟” يوسف زعق وهو بيسحب شومة أبويا اللي كانت مرمية على الأرض: “العرب محاوطين البيت، لو خرجنا في المطر هيصطادونا زي الفراخ.. السلا..ح اللي معاهم مبيجليش!”.
أنا كنت ببكي في حضن أمي، بس عقلي الصغير كان شغال.. افتكرت الزريبة.. وشجرة الجميزة.
قولت بصوت يترعش: “عمي يونس.. السرداب!”.
عمي يونس وبصلي وفجأة عينيه لمعت: “أحمد بيتكلم صح يا يوسف! شجرة الجميزة.. جدي القديم كان حافر تحت جذعها مخزن للغلال زمان وليه باب سري من جوه الزريبة تحت الطوالة بتاعة البهائم.. أنا كنت بنظفه بضوافري طول السنين اللي فاتت وأنا مربوط، ومحدش كان حاسس بيا!”.
صوت ضرب نار حي برة في الهوا كسر قزاز الشباك العالي للمربوعة، وصوت خبط رزين وقوي نزل على البوابة الحديد برة بكعب بندقية، وصوت راجل جش لاهت بينده: “يا ناس اللي جوة! اخرجوا وسلموا الأرض.. الشناوية غاروا في داهية والأرض رجعت لأصحابها!”.
عمي يوسف شاور لنا وبدأنا نتسحب بسرعة من ممر المطبخ الضيق اللي بيودي على الحوش الخلفي والزريبة. المطر كان بينزل على وشوشنا زي الإبر، والطين بيسحب رجلينا لتحت. أمي كانت بتعرج من الخوف وعمي يونس شايلني على كتفه وبيجري، ويوسف مأمن ضهرنا بالشومة.
دخلنا الزريبة.. الريحة اللي كنت بقرف منها زمان، حسيت النهار ده إنها ريحة النجاة. البهائم كانت بتتحرك بقلق وتصدر أصوات عالية بسبب ضرب النار اللي برة.
عمي يونس نزلني، وجري على طوالة البهائم (المذود الأسمنتي)، وبدأ يشيل قش ورمل بيمين وشمال بسرعة جنونية، لحد ما ظهرت دفتين خشب قدام جداً ومصديين، مربوطين بقفل صغير.
عمي يونس طلع القفل القديم الكبير اللي في جيبه.. القفل اللي أنا كسرته بقالب الطوب.. وحطه فوق القفل الصغير وبكل عزم في إيده خبطه خبطة واحدة قوية.. القفل اتكسر والدفتين اتفتحوا على ضلمة كحل وسلالم طين نازلة لتحت الأرض.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت البوابة الحديد برة وهي بتتهد وتقع، وصوت خطوات تقيلة وخشخشة س..لاح دخلت حوش البيت الكبير!
عمي يوسف زق أمي وزقني قائلًا: “انزلوا بسرعة!”. ونزل ورا اللمبة الجاز الصغيرة اللي كانت مع يونس.
