جوزى طلقنى1امانى السيد

خرجت من باب الشقة وأنا مش شايفة قدامي، السلم كان بيتهز تحت رجلي، والدموع مغمية عيني لدرجة إني كنت هقع كذا مرة. نزلت الشارع وأنا حاسة بالهوا بيخنقني، الناس بتمر من جنبي عادي، العربيات بتعدي، الدنيا ماشية وكل حاجة طبيعية.. إلا دنيتي أنا اللي اتهدت فوق دماغي.
طول الطريق للبيت وكلامه بيرن في وداني زي الجرس، “خدامة تحت رجلين أهلي”، “جزمتهم فوق رقبتك”. الكلمات كانت بتنهش في كرامتي، بتدبح اللي باقي من البني آدمة اللي جوايا. وفي نفس الوقت، صورتهم وهما بعيد عني، شكلهم لو حد قسى عليهم أو زعقلهم، فكرة إن واحدة تانية تدخل حياتهم وتاخد مكاني.. كانت بتخليني أغلي من جوايا، نار بتاكل في ضلوعي.
دخلت شقتي، رميت نفسي على السرير بهدومي، مكنش فيا حيل حتى أغير أو أغسل وشي. فضلت باصة للسقف، والأفكار بتجيب وتودي.
ـ يا رب.. يا رب أنا عملت إيه لكل ده؟ ليه القسوة دي كلها؟ يعني يا إما أعيش من غير عيالي ويموت قلبي من حسرتي عليهم، يا إما أرجع أتداس بالجزام عشان بس أكون في نفس المكان معاهم؟
الليل عدا عليا وكأنه سنة، منمتش فيه دقيقة واحدة. كنت بقلب في صورهم على تليفوني، بلمس وشوشهم الصغيره على الشاشة وأنا ببكي بحرقة، بفتكر ريحتهم، ضحكتهم، وصوتهم وهم بينادوا عليا. كل ما عقلي يقولي “لأ.. متوافقيش، متبيعيش نفسك وتبقي جارية”، قلبي يصرخ ويقول “والعيال؟ هتقدري تعيشي من غيرهم؟”.
لحد ما الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، وكنت بدعي وأنا ساجدة وببكي لدرجة إن السجادة غرقت من دموعي. قعدت على الأرض ومسكت راسي بين إيديا، وحسمت أمري.. مفيش فايدة من العفرة، المحاكم بتاخد سنين، والواسطة منفتش مع جحوده، وعيالي بيكبروا بعيد عني كل يوم.
الساعة دقت تلاتة العصر. لميت كام حتة من هدومي في شنطة صغيرة، شنطة متقولش إني رايحة أعيش، دي شنطة واحدة رايحة تتسجن برضاها. نزلت ورجلي تقيلة، كأني ساحبة جبل ورايا.
وصلت عند باب البيت، وقفت قدام الباب دقيقة كاملة، أخدت نفس طويل وكنت بحس بكرامتي وهي بتطلع مع النفس ده، ورفعت إيدي وخبطت.
فتحتلي أمه.. بصتلي بنظرة كلها شماتة وفوقية، مديت عينيها لشنطة الهدوم اللي في إيدي، وراحت مالت على جمب وسابت الباب مفتوح، وقالت بصوت عالي وهي بتنادي عليه جوه:
ـ تعالى يا سيدي.. الست هانم جات اهي، وشايلة شنطتها في إيدها كمان ومطاطيه راسها
خرج من الأوضة الجوانية وهو بيعدل قميصه، ووشه مرسوم عليه ابتسامة نصر تقرف. بص للمأذون اللي كان قاعد على الكنبة وفاتح الدفاتر قدامه، وبعدين وجه نظره ليا، مالت عينيه على الشنطة اللي في إيدي، وضحك ضحكة مكتومة وهو بيهز راسه:
ـ أهو كده.. تعجبيني لما تعقلي وتعرفي حجمك الطبيعي. قعدتي تقولي محاكم وقضايا وبلاد، وفي الآخر جيتيلى برضه
الدموع اتجمدت في عيني، مكنتش قادرة حتى أعيط. الكسرة لجمت لساني. قعدت على طرف الكرسي البعيد كأني غريبة، والمأذون بدأ يكتب. كل كلمة كان بيقولها المأذون وكل إمضاء كنت بوقعها، كنت بحس إنها مسمار بيتدق في نعش البني آدمة اللي كانت جوايا. رميت عيني على باب الأوضة اللي العيال جوه فيها، كنت سامعة صرخة صغيرة أو ضحكة مكتومة، قلبي كان هينط من صدري وعايزة أقوم أجري عليهم، لكن نظرة طليقي وتحذيره الصامت لجموني في مكاني.
قفل المأذون دفتره، ولم حاجته وقام مشي بعد ما بارك لـ “العرسان” بكلمتين باهتين. أول ما الباب اتقفل، اتنفضت من مكاني وقولت بصوت متقطع:
ـ أنا نفذت شرطك ومضيت.. فين ولادي؟ عايزه أشوفهم.
قبل ما ينطق، حماتي قربت مني، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بعين ضيقة وقالت بنبرة كلها غل:
ـ عيال إيه اللي تشوفيهم دلوقتي؟ الشقة دي الشقه محتاجه تتنضف و المطبخ مقلوب شوفي وراكِ إيه، والعيال نايمين جوه ومش هتقلقي راحتهم.
بصيتله وأنا بستنجد بيه بنظرة أخيرة، يمكن يكون فيه ذرة رحمة، لكنه دار وشه الناحية التانية وقعد حط رجل على رجل ومسك تليفونه وقال ببرود:
ـ كلام أمي يتسمع حرفياً.. من أولها كده هتعبيني؟ ادخلي المطبخ ولما العيال يصحوا هتشوفيهم، ده لو وريتيني شطارتك وخلصتي اللي وراكِ من غير لوع.
حسيت إن روحي بتتسحب مني، الشنطة وقعت من إيدي على الأرض. مشيت بخطوات تقيلة مكسورة ناحية المطبخ، وبمجرد ما دخلت وقفت ورا الباب، كتمت بوقي بإيديا الاتنين وانفجرت في عياط مكتوم وهستيري.. دموع قهر على عمري، وعلى كرامتي اللي اتهانت، وخوف من الأيام اللي جاية تحت السقف ده.
