حكايات زهره الربيع 2

في اليوم التالي بالمستشفى، الدكتور دخل كشف عليا وطمن طارق إن حالتي مستقرة وينفع أخرج. طارق جهز كل حاجة، ودخل الأوضة ومعاه شنطة هدومي وهدوم البنت:
“يلا يا دينا، كل حاجة جاهزة برة، والعربيات مستنية.. جهزي نفسك عشان نمشي.”
سندت نفسي ووقفت بمساعدة الممرضة، ولبست ودموعي في عيني وأنا شايفة طارق بيشيل عزّة بحنية شديدة ويهزها بين إيديه الخشنة. خرجنا من باب المستشفى، وأول ما رجلي خطت برة، لقيت محمود واقف عند البوابة، شكله كان يبهدل، هدومه متبهدلة ووشه منامش من امبارح.
أول ما شافني، جرى عليا وحاول يقرب، بس اتنين من رجالة طارق وقفوا في وشه زي السد المنيع. محمود صرخ بعلو صوته والدموع في عينه:
“دينا! ارجعي معايا يا دينا.. بيتك مفتوحلك، والله أمي مش هتعتب بابنا تاني، أنا هأجرلك شقة بعيد عنها.. متمشيش مع الموت ده وتسيبي جوزك.. فكري في بنتنا!”
وقفت وبصيت له لآخر مرة، النظرة اللي مفيهاش عتاب ولا زعل، النظرة اللي بيبقى فيها الشخص اللي قدامك بقى عبارة عن هوا.. قشة ملهاش أي قيمة. قلت له ببرود هز كيانه:
“بنتنا اسمها عزّة يا محمود.. ومبقاش لها أب اسمه محمود.. أنت اخترت أمك واللب والفلوس المسروقة وأنا في البنج، وأنا اخترت كرامتي وناسي.. ورقتك هتوصلك، والقانون بينا.”
ركبت العربية الكبيرة السودا، وطارق قعد جمبي وحط عزّة في حضني، والعربيات اتحركت في طابور مهيب وسبنا محمود واقف على الرصيف بيصوت ويضرب كف بكف والناس بتتفرج عليه.
طول الطريق للصعيد، وأنا باصة من الشباك، كنت بحس إن كل خطوة بتبعدني عن القاهرة هي خطوة بترجعني لروحي اللي ضاعت. وصلنا بعد كام ساعة لبيت عيلتي الكبير.. البيت اللي اتربى فيه أبويا الله يرحمه. بيت واسع ببيبان خشبية ضخمة وجنينة كبيرة.
أول ما العربيات وقفت، لقيت زوجة طارق وبنات عمي التانيين واقفين مستنييني بالزغاريد والترحاب، كأني عروسة راجعة لبيتها مش ست مطلقة ومعاها طفلة. دخلوني الأوضة الكبيرة اللي كانت مجهزة بكل حاجة تخصني وتخص البيبي.. سرير جديد لعزّة، لبس، وكل لوازم السبوع والنفاس.
قعدت على السرير وزوجة طارق خدت مني البنت وبدأت تحضنها وتدعي لها، وطارق وقف على الباب وقال بنبرة مليانة فخر:
“البيت بيتك يا دينا، ومطرحك هنا فوق راسنا.. شقا عمي وفلوسك هيدخلوا في مشاريع الأرض هنا باسمك وباسم بنتك عشان تكبر وتلاقي ورث أبوها وجدها بيزيد مش بينقص، ومفيش مخلوق هيقدر يطالبك بقرش تمن لقمة بتاكليها في بيت ناسك.”
