بعد ما الباب اتقفل ورا كريم والحاج فضل، الشقة رجعت تِغط في سكات غريب، بس المرة دي مكنش سكات خوف.. كان سكات النصر. ريحة البرفان اللي كانت مالية الجو ومغرقة الستائر، بدأت تقلب بضيق نفس، ففتحت الشبابيك كلها عشان أدخل نور ربنا وهوا الصبح يطردوا ريحة الغدر والخيابة من بيتي. قعدت على الكنبة وأنا حاسة بإن جبل وانزاح من على صدري.. التليفون في إيدي مكنش بيبطل رن.. رسايل من أرقام غريبة، ورسايل من كريم نفسه بيبوس إيدي فيها عشان أوافق أقابله أو أديله فرصة تانية يلم فيها اللي اتبعتر، بس أنا كنت عاملة لقلبي وعقلي قفل حديد.. اللي يمد إيده على واحدة شالت معاه المر، ملوش قومة تاني. الساعة بقت 3 العصر، والباب خبط.. قمت فتحت، لقيت المحضر واقف وبإيده ورقة.. ورقة طلاقي الرسمية، ومعاها إقرار ممضي من كريم في القسم وبشهادة المحامي بتسليم كافة حقوقي الشرعية من مؤخر ونفقة، وتعهد بعدم التعرض.. بصيت للورقة ومضيت بالاستلام وأنا حاسة بصدمة خفيفة.. الـ 9 سنين جواز انتهوا في ورقة وعشر دقايق! نزلت شقتي القديمة في "شبرا" عند بيت أهلي عشان أرتب لنقل العفش والحاجة.. وأنا بلم هدومي من الدولاب في شقة الزوجية اللي مبقتش زوجية، لقيت كشكول صغير كان كريم كاتب فيه مذكراته وحساباته القديمة.. فتحته بالصدفة، ولقيت صدمة تانية مكنتش على البال.. كريم مكنش بيخوني مع نيرمين بس عشان نزوة.. ده كان كاتب خطة كاملة إزاي يضحك على البنت ويوصل لقلب أبوها عشان يكتب له نص الشركة باسمه، وبعدها كان ناوي يطلقني ويرميني من غير مليم بعد ما يضمن إنه بقا صاحب مال وجاه! يعني الخيانة مكنتش غلطة طريق.. دي كانت طبع وتخطيط ونوايا سودا من البداية. قفلت الكشكول وأنا بحمد ربنا إن كشفه ليا جه في الوقت المناسب، وقبل ما يحقق اللي في دماغه.. لميت كل قطعت عفش تخصني، ومسحتش دمعة واحدة على راجل ميسواش. تاني يوم، وأنا قاعدة وسط أهلي، تليفوني رن برقم غريب.. رديت، وجالي صوت مكسور ودموعه سبقاها.. الصوت ده أنا عرفته كويس من كتر ما قريت شاتاتها.. كانت نيرمين! صوتها كان بيرتعش وهي بتقول: "أنا عارفة إنك مش طايقة تسمعي صوتي.. بس أنا كان لازم أكلمك.. كريم دمرني ودمر أبويا.. أنا بجد أسفة.." كنت لسه هقفل السكة في وشها، بس الجملة اللي قالتها بعد كده خلت صوابعي تتجمد على الشاشة، ونفسي يتكتم تاني.. قالت بصوت مبحوح: "كريم مسبناش في حالنا يا هنا.. كريم امبارح بالليل بعد ما اتطلق صوّر ورق مهم من خزنة بابا، وهدده بطلب فدية.. والنهارده الصبح.. بابا حصله.." حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو ونشفت الكلمة في حلقها، وسمعت من الناحية التانية صوت شهقة وبكا مكتوم قطع حبل كلامها. قعدت على السرير وأنا ماسكة التليفون بإيد بتترعش، وقلبي بدأ يدق زي الطبل.. "أبوكي حصله إيه يا نيرمين؟! انطقي!".. صرخت فيها وأنا مش طايقة حالة الرعب اللي رميتني فيها.. ردت بصوت يدوب طالع من وسط الدموع: "بابا جاله جلطة في المخ.. من الصدمة يا هنا.. لما عرف إن كريم سرق من الخزنة العقود والوصولات الرسمية اللي بابا كان شايلها عليه وعلى مقاولين كبار في السوق.. العقود دي لو خرجت برا أو راحت للضرائب والمنافسين، بابا مش بس هيفلس.. بابا ممكن يتسجن وتاريخه كله يتمسح في ثانية! كريم كلمنا من رقم مجهول وقال إنه مش هيسيبنا في حالنا، وعايز 5 مليون جنيه كاش، وإلا هيودي الورق ده للنيابة ويدمر العيلة كلها.. بابا مستحملش ووقع من طوله، وإحنا دلوقتي في العناية المركزة في المستشفى، ومش عارفين نعمل إيه.. أنا خايفة أوي يا هنا.. خايفة يضيعنا!" قفلت السكة معاها من غير ما أرد.. قعدت مكاني وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. كريم مطلعش مجرد خاين وبجح.. ده طلع شيطان، بني آدم معندوش أي خط أحمر ممكن يقف عنده.. الراجل اللي عشت معاه 9 سنين طلع مجرم بجد، ومستعد يدمر أي حد يقف في طريقه عشان الفلوس والإنقام. فضلت ليلتها صاحية ومنمتش دقيقة واحدة.. أهلي كانوا نايمين في الشقة، وأنا واقفه في البلكونة ببص لشوارع شبرا وهي ضلمة، وبفكر.. الخيط كله في إيدي، أنا اللي بدأت الحكاية دي وأنا اللي لازم أنهيها. كريم فاكر إنه لما يسرق ويهدد هيفلت، وفاكر إن بن غيطانه القديم اللي كان مخبيه عن الدنيا ملوش عينين تشوفه.. بس هو نسي إن الكشكول الصغير اللي لاميته مع حاجتي من شقته كان فيه مفتاح لكل حاجة! قمت جرى على الشنط اللي نقلتها، وفتحت الكشكول وبدأت أفر في صفحاته بتركيز رهيب.. كنت بدور على أي اسم، أي عنوان، أو أي تفصيلة تفيدني.. وفي آخر صفحة، لقيت اللي أنا عايزاه.. كريم كان كاتب بخط إيده الصغير "مكتب الأستاذ فرج - روكسي - الأوراق المهمة وشغل بره".. فرج ده كان صاحبه من أيام الكلية، ومحامي بيلعب بالبيضة والحجر، وكريم مكنش بيمضي ورقة ولا بيعمل مصلحة من ورا الشركة إلا من خلاله. عرفت في ثانية إن كريم مش هيلاقي مكان أمن يخبّي فيه ورق بمليون جنيه ويهدد بيه ناس كبار إلا عند فرج.. مع أول تشقشيق لنور الشمس، لبست هدومي ونزلت من البيت من غير ما حد من أهلي يحس.. ركبت تاكسي وطلعت على مصر الجديدة.. الساعة كانت يدوب 7 الصبح، والشوارع لسه فاضية والمحلات قافلة. وقفت بعيد عن عمارة المكتب، واستخبيت ورا شجرة كبيرة في الشارع وأنا عيني مش بتفارق البوابة.. فضلت واقفة حوالي ساعتين، ورجلي تعبتني من الوقفة، بس ناري مكنتش مخليةاني حاسة بأي وجع.. وفجأة، الساعة بقت 9 ونص، ولمحت عربية تاكسي وقفت نزلت منها جثة كريم! كان لابس نظارة شمس مخبية عينيه، وماسك في إيده شنطة جلد سودا تقيلة، وبيلتفت حواليه يمين وشمال بشك ورعب كأنه حاسس إن الحيطة ليها ودان.. دخل العمارة بسرعة.. طلعت موبايلي وطلبت رقم نيرمين.. ردت عليا بصوت هلكان ومبحوح: "أيوة يا هنا.. بابا لسه في الغيبوبة.." قلت لها بنبرة حاسمة وصوت واطي: "اسمعيني كويس ومتناقشنيش.. تطلعي حالاً على قسم شرطة مصر الجديدة، وتاخدي معاكي محامي أبوكي الكبير، وتقوليلهم إن كريم بيهددكم ومعاه ورق مسروق، وإنكم عارفين مكانه دلوقتي حالا.. وتجيبوا القوة وتيجوا على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة.. قدامكم نص ساعة بالظبط، لو اتأخرتوا، كريم هيقضي عليكم وعلى أبوكي وهو حاطط رجل على رجل!" بعت لها العنوان، وقفلت الموتور بتاع تفكيري.. ومقعدتش مستنية برا.. أنا أخدت نفسي ودخلت وراه العمارة، ورجلي بتشيلني على السلم لحد ما وصلت للدور الثالث.. وقفت قدام باب مكتب المحامي، وأنا سامعة صوت كريم من جوه وهو بيتكلم بنبرة كلها غل وفرحة انتصار: "بقولك إيه يا فرج.. الورق ده فيه رقبة الحاج فضل.. البت نيرمين هتجيب الفلوس وهي راكعة عشان تنقذ أبوها والشركة.. الـ 5 مليون دول هيعوضوني عن كل اللي خسروهوني.. وساعتها هسافر برا البلد ومش هتشوفوا وشي تاني!" حطيت إيدي علىكرة الباب، ولقيته موارب ومش مقفول بالمفتاح.. زقيت الباب بهدوء ودخلت الصالة بتاعة المكتب.. كريم وفرج كانوا قاعدين في المكتب الجواني والباب مفتوح.. أول ما خطوت خطوة جوه، الخشب بتاع الأرضية عمل صوت.. كريم لف وشه فجأة.. وأول ما عينه جت عليا وأنا واقفة في وسط المكتب وبصاله بمنتهى القوة والشماتة.. الشنطة الجلد وقعت من إيده على الأرض، ووشه اتقلب ألوان، وقال بصوت متقطع ومن ذعر أعمق من ذعر المرة الأولى: "هنا؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا.. وإزاي عرفتي المكان ده؟!" ابتسمت وربعت إيدي وقلت له: "أصلك نسيت كشكول مذكراتك يا كيمو.. والشرطة زمانها على السلم عشان تاخدك من قفاك!" كريم عينه طلعت شرار، وهجم عليا وزقني في الحيطة وهو بيمسك رقبتي بغل أعمى: "أنا هقتلك يا هنا.. هضيعك قبل ما تضيعيني!" وفي اللحظة دي.. صوت سرينة البوليس بره في الشارع بدأ يعلى ويزلزل المكان..