12سنه حكايات رومانى مكرم 1

### الجزء الثاني: انقشاع الضباب ومواجهة الجحيم

سقطت الورقة الأولى من يدي لتدور في الهواء قبل أن تستقر على الأرض، وكأنها تأبى أن تلامس وعيي الذي ترفض خلاياه تصديق ما تراه. الغرفة التي كانت باردة منذ قليل تحولت فجأة إلى أتون مستعر، والأنفاس التي كنت أتحشرج بها انقطعت تماماً.

بدأت أقرأ الكلمات المفرغة في تلك الأوراق بعينين زاغتا من هول الصدمة. التواريخ المكتوبة بدقة متناهية كانت تطابق تماماً فترات إجازاتي القصيرة، والأيام التي سبقتها. الرسائل المطبوعة لم تكن مجرد نصوص عابرة، بل كانت دليلاً دامغاً يتحدث عن تفاصيل حميمية، وعن حوارات دارت خلف الأبواب المغلقة لبيت العائلة الذي ظننته حصناً لي ولأولادي.

كان الخط في المفكرة الصغيرة هو خط أخي الكبير؛ خطه المميز بحروفه المائلة التي أعرفها منذ صغرنا. كان يكتب لنفسه، أو ربما لها، مواعيد لقاءاتهما، وكيف كان يستغل غيابي في العمل، أو خروج الأطفال للعب في الشارع. والأدهى من ذلك، وجت إيصالات أمانة وصوراً لقطع الذهب المفقودة التي اعترفت زوجتي بسرقها مؤخراً، معنونة بملاحظات بخط يده تؤكد أنه هو من كان يبتزها بها، ويجبرها على أخذها من غرف إخوتي الآخرين ليدفع عنها شبهة السرقة ويتحكم بها تماماً.

في تلك اللحظة، ركبت المكعبات الناقصة في عقلي لترسم الصورة الكاملة المرعبة: زوجتي لم تكن سارقة بدافع الطمع، بل كانت ضحية ابتزاز دنيء من الشخص الذي استأمنته على عرضي وبيتي. كانت تسرق تحت وطأة التهديد بالفضيحة، واعترفت بالسرقة لتفتدي نفسها من تهديداته المستمرة بعد أن ضاق بها الخناق.

لم أشعر بقدمي وأنا أتحرك عائداً إلى الغرفة. كنت أسير كآلة صماء، وعقلي يطبخ خطة الانتقام والمواجهة الأخير. دخلت الغرفة، كانت زوجتي تجلس على حافة الفراش، وجهها شاحب كالموتى، وعيناها غائرتان من كثرة البكاء والخوف. بمجرد أن رأت المغلف والمفكرة في يدي، انهارت تماماً على الأرض، وجثت عند قدمي تبكي بصوت مكتوم وهي تقول:

> “والله كان بيبتزني.. قالي لو مسمعتيش الكلام هقول لجوزك إنك إنتي اللي بتغويه، ومحدش هيصدقك إنتي.. هيصدقوه هو الكبير.. الذهب والفلوس كان بياخدهم مني عشان يذلني بيهم!”

>

أمسكتها من ذراعها وأقمتها بقوة لم أعهدها في نفسي من قبل. لم أتكلم بكلمة واحدة. سحبتها خلفي في ممر البيت المظلم باتجاه شقة أخي الكبير في الطابق العلوي.

طرقت الباب بعنف زلزل أرجاء المكان. فتح أخي الباب وهو يفرك عينيه متظاهراً بالنعاس، وبملامح البراءة الزائفة التي واجهني بها بالأمس. لكن قبل أن ينطق بكلمة، ألقيت بالمفكرة والأوراق في وجهه، لتتناثر على صدره وتسقط أرضاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!