حكايات امانى السيد 3

البيت كله اتكتم، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت جسمها وهو بيخبط في السيراميك لحد ما استقرت تحت رجلي وهي عينيها مفتوحة على الآخر وبتطلع نفس بالعافية، ومبقتش قادرة تتحرك ولا تنطق بكلمة، كأنها اتسمّرت في الأرض.
أحمد صرخ بأعلى صوته: “أميييي!”، وجري عليها ودموعه نازلة لأول مرة، حاول يشيلها أو يحركها وهي بتئن أنين مرعب، والناس بدأت تتلم ويزقوا فينا ويقولوا: “حد يطلب الإسعاف بسرعة الست قطعت النفس!”.
في وسط الهيصة دي والدوشة، أخت جوزي قعدت في الأرض تلطم وتقول: “خربت بيتنا يا هالة! أمي ماتت! أمي راحت بسبك وبسبب ركنتك!”، لكن الجيران ردوا عليها وزقوها: “ركنة إيه وزفت إيه دلوقتي! أمك اللي طمعها عماها وراحت تتخانق على حاجة مش بتاعتها، وسعوا عشان الست بتضيع!”.
أبويا مسكني من إيدي وجرني لورا بعيد عن الزحمة، وبص للعمال اللي كانوا واقفين مذهولين وقالهم بنبرة حاسمة: “نزلوا بقية الحاجه على العربية فوراً.. يلا يا رجالة مفيش وقت”. العمال بقوا ينزلوا الحاجه بسرعة الصاروخ، وشيماء سلفتي نزلت من فوق تجري، بس مش عشان تلحق حماتها، دي كانت بتبصلي وهي بتقول بصوت واطي: “سبحان الملك.. ذنبك وذمبي خلصوا في ثانية.. الله يمهل ولا يهمل يا هالة”.
أحمد بصلي وعينيه مليانة دموع وغل، وشاور عليا وقال بصوت مبحوح: “مش هسيبك يا هالة.. أمي لو جرى لها حاجة مش هرحمك لا إنتِ ولا أبوكي!”.
أبويا رد عليه بكل قوة: “أعلى ما في خيلك اركبه يا ابن أمك.. بنتك طلقتها ورميت عليها اليمين قدام الجيران والشهود، وحقها وبتاخده، وأمك ربنا اللي حاسبها على نيتها وسرقتها.. يلا يا هالة”.
ركبت مع أبويا في العربية النقل الكبيرة وسط نظرات الشارع كله اللي اتقسم نصين؛ نص باصص لحماتي وهي بتتشال على نقالة الإسعاف ووشها أزرق تماماً، والنص التاني باصص لجهازي وركنتي وهما محطوطين في العربية والناس بتتهامس على الفضيحة اللي هتعيش فيها العيلة دي سنين وسنين.
طول الطريق وأنا حاطة إيدي على قلبي، دموعي نازلة بس مش زعل على أحمد ولا على بيتي اللي اتهد، أنا كنت ببكي من الصدمة، من السرعة اللي ربنا جابلي بيها حقي في نفس الساعتين اللي اتهنت واتقهرت فيهم.
وصلنا بيت أبويا، ورصينا الحاجه في الشقة القديمة، وأبويا قفل الباب وقعدني جنبه وطبطب عليا: “ارتاحي يا بنتي.. إنتِ هنا في حمايا، والراجل اللي يبيع مراته عشان خاطر طمع أهله ميبكاش عليه”.
عدى يومين، وأنا قافلة تليفوني تماماً ومش عايزة أسمع صوت حد، لحد ما بابا دخل عليا الأوضة بليل، وكان وشه مش مريح وفيه علامات قلق…
