مكامله تلفون1

اتصل بيا أخويا محمود الصبح وسألني: “أحمد فين دلوقتي؟”
رديت عليه من غير ما أفكر: “في إسكندرية، سافر امبارح عشان عنده شغل واجتماعات.”
سكت شوية.
وبعدين قال جملة هدت سبع سنين جواز في لحظة:
“لا… أحمد موجود دلوقتي في المنتجع اللي أنا مديره. ومعاه واحدة صغيرة. والأغرب إنه بيدفع من الكارت البنكي بتاعك.”
إيدي اتجمدت حوالين كباية الشاي.
في الأول افتكرت إن محمود غلطان.
بس محمود عمره ما كان بيرمي كلام من غير ما يكون متأكد.
قال بهدوء: “أنا قدامي استمارة الحجز دلوقتي. شوفته بعيني. وهو نازل في الجناح 318 من امبارح بالليل.”
حسيت ببرودة سرت في جسمي كله.
خصوصًا إن في الشهور الأخيرة كان أحمد بيتصرف بطريقة غريبة.
كل ما أقرب من موبايله يقفله.
يخرج فجأة بحجج مالهاش لازمة.
ويتنرفز لو سألته صرف فلوسه في إيه.
لكن كل مرة كنت بقنع نفسي إن ضغط الشغل هو السبب.
إنما دلوقتي…
محمود كان بيديني كل التفاصيل.
ميعاد وصوله.
رقم الجناح.
واسم الست اللي دخلت معاه.
قلت بصوت مهزوز: “محمود… أوعى تواجهه.”
رد بسرعة: “مش هعمل كده.”
وسكت شوية قبل ما يسألني:
“هتعملي إيه دلوقتي يا نادية؟”
ما رديتش على طول.
فضلت أبص للصورة المعلقة في الريسبشن.
صورة أول عيد بعد جوازنا.
أحمد واقف جنبي مبتسم وحاطط إيده على كتفي قدام بيت أبويا.
فجأة حسيت إن الابتسامة دي كلها كدب.
وكأني بشوف الصورة لأول مرة.
بلعت دموعي وقلت:
“ساعدني يا محمود… أنا عايزة دليل ميقبلش أي شك، وعايزاه يبطل يصرف من فلوسي.”
ما سألنيش أي حاجة.
أحمد كان معاه الكارت البنكي بتاعي من سنين عشان مصاريف البيت.
وخلال دقايق كنت وقفت الكارت من تطبيق البنك.
وكلمت خدمة العملاء وطلبت مراجعة كل العمليات اللي اتعملت آخر كام يوم.
وفي نفس الوقت احتفظ محمود بنسخة من كاميرات المراقبة.
وكمان صورة من استمارة الحجز اللي أحمد مضى عليها بنفسه.
وبعدين قال لي اسم الست اللي معاه.
اسمها داليا.
وما كانتش مجرد صاحبة.
دي كانت حاجزة جلسات سبا.
وطالبة رحلات وأماكن فسحة.
كأنهم عرسان جايين يقضوا شهر عسل.
بحلول الضهر، الصدمة راحت.
وحل مكانها إحساس أبرد.
وأهدى.
وأخطر.
استأذنت من الشغل وروحت عند أمي.
ما قلتلهاش الحقيقة.
قلت بس إني محتاجة أقعد معاها يوم.
بالليل كلمت محمود تاني.
ولما رد، بدأت أشرحله الخطة اللي رسمتها في دماغي خطوة خطوة.
حتى أنا كنت مستغربة من نفسي وأنا بقولها.
بس كنت متأكدة إنها هتنجح.
وفي آخر المكالمة قلتله:
“بكرة عايزاك تعمل كل اللي هقوله بالحرف. لا تزود كلمة ولا تغير حاجة.”
رد من غير تردد:
“اعتبريه حصل.”
قفلت المكالمة.
لكن النوم ما جاليش.
فضلت صاحية لحد الفجر.
أفكر في كل كدبة صدقتها.
وكل علامة تجاهلتها.
وكل مرة دافعت عنه قدام الناس.
ومع أول ضوء للنهار…
كنت أخدت قراري الأخير.
قرار هيخلي أحمد يكلمني بعد ساعات وهو مرعوب بطريقة ما شفتهاش فيه طول سنين جوازنا.
يتبع…
تاني يوم الصبح، محمود نفذ أول خطوة في الخطة بالظبط زي ما طلبت منه.
راح للإدارة وبلغهم إن الكارت المسجل على الحجز اتوقف، وإن أي محاولة دفع جديدة هتترفض تلقائي.
ما طلبش منهم يطردوا أحمد.
ولا حتى يكلموه.
ساب كل حاجة تحصل لوحدها.
بعد أقل من ساعة، أحمد نزل يدفع فاتورة إضافية.
حط الكارت.
مرفوض.
جرب مرة تانية.
مرفوض.
جرب كارت تالت.
مرفوض برضه.
ولأول مرة بدأ التوتر يظهر عليه قدام الموظفين.
بعدها بعشر دقايق بالظبط، موبايلي رن.
أحمد.
بصيت للاسم وسيبته يرن.
ورجع اتصل.
وسيبته يرن تاني.
وفي المرة الثالثة بعتلي رسالة:
“نادية.. ضروري تردي عليا.”
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما عرفت الحقيقة.
وبعتله رسالة قصيرة:
“إيه أخبار اجتماعات إسكندرية؟”
فضلت علامة القراءة ظاهرة قدامه دقايق طويلة.
وبعدين الموبايل رن فورًا.
المرة دي رديت.
سمعت صوته متوتر:
“نادية… اسمعيني بس.”
قلت بهدوء: “سامعاك.”
قال بسرعة: “في سوء تفاهم.”
ضحكت ضحكة صغيرة وقلت:
“في الجناح 318؟”
سكت.
سكت لدرجة إني سمعت صوت نفسه.
وبعدين قال:
“مين قالك؟”
رديت:
“ده آخر سؤال ليك عندي.”
وقفلت الخط.
بعدها بدقائق، محمود بعتلي تسجيل من الكاميرات.
أحمد خارج من الجناح ومعاه داليا.
واضح عليه الذعر.
وبيكلم حد في التليفون بعصبية.
عرفت إنه بيحاول يلم الموضوع.
لكن كان متأخر.
أوي.
المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بساعتين.
لما البنك رجع يكلمني بخصوص مراجعة العمليات الأخيرة.
الموظفة قالت:
“يا فندم، أثناء المراجعة لاحظنا وجود تحويلات مالية متكررة خلال الشهور اللي فاتت من حساب حضرتك.”
قلبي دق بسرعة.
سألتها:
“تحويلات لمين؟”
قالت اسم شخص ماعرفوش.
ولا مرة سمعت عنه قبل كده.
طلبت كشف كامل.
ولما وصلني…
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
أحمد ما كانش بيصرف على نفسه وبس.
كان بيحول مبالغ شهرية كبيرة للحساب ده من أكتر من سنة.
مبالغ لو جمعتها ممكن تشتري شقة كاملة.
في اللحظة دي اتأكدت إن اللي اكتشفته في المنتجع كان مجرد أول الخيط.
وإن في سر أكبر بكتير لسه مستخبي.
سر هيخليني أكتشف إن داليا مش أكبر مشكلة في حياتي…
وإن الشخص اللي كان بياخد فلوسي طول السنة اللي فاتت، كانت له علاقة صادمة جدًا بأحمد.
يتبع…
فضلت أبص لكشف الحساب أكتر من مرة.
يمكن أكون فاهمة غلط.
يمكن يكون اسم شركة.
أو حد من قرايب أحمد محتاج مساعدة.
لكن كل ما دققت أكتر، الحقيقة كانت أوضح.
التحويلات كانت منتظمة.
نفس التاريخ تقريبًا كل شهر.
ونفس المبالغ الكبيرة.
كأن أحمد ملتزم بمصاريف ثابتة تجاه الشخص ده.
مسكت الموبايل واتصلت بمحمود.
أول ما رد قلت:
“عايزاك تساعدني أعرف صاحب الحساب ده مين.”
رد فورًا:
“ابعتلي البيانات.”
بعد ساعات من البحث والسؤال، محمود رجع كلمني.
لكن الغريب إنه ما اتكلمش على طول.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال:
“نادية… إنتِ قاعدة؟”
قلبي وقع.
قلت: “قول يا محمود.”
قال بصوت متردد:
“صاحب الحساب ست.”
حسيت بصداع مفاجئ.
لكن الصدمة الحقيقية لسه ما جاتش.
سألته:
“مين هي؟”
قال:
“اسمها سمر.”
الاسم ما كانش غريب عليا.
لكن مش قادرة أتذكر منين أعرفه.
وفجأة افتكرت.
سمر.
بنت خالة أحمد.
البنت اللي كان دايمًا يقول إنها زي أخته الصغيرة.
واللي كانت بتيجي تزورنا كل فترة.
واللي كنت باستقبلها في بيتي وأكرمها.
قلت بسرعة:
“أكيد في حاجة غلط.”
لكن محمود رد:
“للأسف مفيش غلط. الحساب باسمها فعلًا.”
قعدت على الكرسي وأنا مش قادرة أستوعب.
ليه أحمد يحول لسمر كل المبالغ دي؟
وليه يخبّي الموضوع؟
وليه عمره ما جاب سيرته؟
الأسئلة كانت أكتر من الإجابات.
لكن بعدها بيوم واحد وصلتني الإجابة بنفسي.
لأن سمر هي اللي اتصلت بيا.
أول ما شفت اسمها على الشاشة استغربت.
رديت.
لقيتها بتعيط.
عيط هستيري.
وقالت:
“نادية… سامحيني.”
سكت ثواني.
وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“أنا ما كنتش عايزة أكذب عليكي أكتر من كده.”
حسيت قلبي هيقف.
قلت: “تقصدي إيه؟”
ردت وهي بتبكي:
“داليا مش خطيبة أحمد… ولا حبيبته.”
اتجمدت مكاني.
وسألتها:
“أمال مين؟”
وجالي الرد اللي عمري ما كنت أتوقعه.
قالت:
“داليا بنت أحمد.”
وقتها حسيت إن الدنيا كلها لفت بيا.
بنت أحمد؟
إزاي؟
أحمد عمره ما كان عنده أولاد غير ابننا عمر.
فضلت ساكتة.
مش قادرة أتكلم.
لكن سمر كملت وهي بتنهار من العياط:
“من قبل ما يتجوزك بسنة… أحمد كان متجوز عرفي واحدة اسمها هناء. ولما حصلت مشاكل بينهم سابها. وبعدها اكتشف إنها كانت حامل.”
كل كلمة كانت بتنزل عليا زي الصاعقة.
وأكملت:
“داليا بنته فعلًا… وأحمد كان بيبعت فلوس ليها ولأمها طول السنين دي كلها في السر.”
في اللحظة دي فهمت ليه أحمد كان بيحول المبالغ كل شهر.
وفهمت ليه داليا كانت معاه في المنتجع.
لكن السؤال الأخطر لسه موجود…
إذا كانت داليا بنته فعلًا…
يبقى ليه كذب وقال إنه في إسكندرية؟
وليه أخفاها عني كل السنين دي؟
والأهم…
إيه السر اللي خلاه يخاف مني للدرجة دي؟
يتبع
