مع سقوط آخر حبة تراب2

قلت بصوت مبحوح:
ـ على جاردن سيتي.. بسرعة يا ابني الله يخليك.
كنت رايحة للشخص الوحيد اللي محمود ذكره في الفيديو ووثق فيه.. صديق عمره القديم في الطب الشرعي، الدكتور “نبيل المحلاوي”. محمود قال في الفيديو إن نبيل ساعده.. وبما إن حكاية “محمود عايش” طلعت طعم من ولادي، يبقى الأمل الوحيد إن الدكتور نبيل هو اللي معاه السر الحقيقي لجثة مين اللي في القبر، ومين الطرف اللي كان بيحمي محمود فعلاً!
وصلت قدام عمارة دكتور نبيل في جاردن سيتي في نص الليل. نزلت وطلعت الدور الرابع وبإيد بترتعش رنيت الجرس.
فتحتلي الشغالة، وبصتلي باستغراب:
ـ مين يا فندم؟ الدكتور نايم.
ـ قوليلوه روايح.. مراد الحاج محمود رسلان.. ضروري يا بنتي، الأمر فيه حياة أو موت.
ما فاتتش دقيقة ولجيت الدكتور نبيل خارج بجلابيته، راجل وقور وشعره أبيض كله، أول ما شافني ملامحه اتقبضت وجري عليا مسك إيدي:
ـ روايح؟! إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟ ولادك قالوا إنك انهرتي بعد الدفن وميعرفوش مكانك!
دخلت الصالون وأنا بنهار من الطول، رميت الشنطة والطبنجة على التربيزة وقعدت أبكي بحرقة:
ـ ولادي كانوا هيقتلوني يا نبيل.. ولادي قتلوا محمود وعايزين يحجروا عليا! محمود سابلي فلاشة في المكتب وبيقول فيها إنك ساعدته يغير الجثة.. قولي الحقيقة يا نبيل، جوزي مات ولا عايش؟ وجثة مين اللي دفناها الصبح؟!
الدكتور نبيل بلم.. ملامحه اتحولت لذهول تام، وفضل يبصلي ويبص للطبنجة اللي على التربيزة وهو مش مصدق. قعد قصادي وقال بصوت هادي وبطيء يخوف:
ـ فلاشة؟ محمود سابلك فلاشة بيقول فيها إني ساعدته؟
ـ أيوا.. الفيديو معايا هنا على الفلاشة دي!
نبيل حط إيده على راسه واتنهد تنهيدة هزت ضلوعه، وبصلي بنظرة مليانة رعب وشفقة وقال:
ـ يا روايح.. محمود مات قدام عيني في المستشفى بأزمة قلبية حادة ناتجة عن تسمم بمادة مجهولة.. وأنا اللي أشرفت على غسله وكفنه بنفسي.. محمود اندفن الصبح فعلاً وجثته هي اللي في القبر!
ـ أمال الفيديو؟! الخط اللي في الرسالة؟!
صرخت وأنا عقلي خلاص هيطير.
نبيل قرب مني ومسك كتفي:
ـ محمود جالي من تلات أسابيع يا روايح.. كان حاسس إن ولاده بيخططوا لحاجة، فطلب مني أسجل معاه فيديو كـ “تأمين” لو جرى له حاجة، وقاللي لو مات مقتول، أظهر الفيديو ده للنيابة.. بس الفيديو الأصلي معايا أنا في مكتبة بالطب الشرعي! الفلاشة اللي معاكي دي أكيد م تلعوب فيها بالذكاء الاصطناعي من المحامي رفعت وولادك عشان يسحبوكي للمصيدة ويثبتوا جنونك!
