رجعت من شغل حكايات رومانى مكرم 2

مرت الساعات الأولى في المستشفى كأنها دهر. لم أكن أتحرك من أمام زجاج غرفة العناية المركزة، عيني تتنقل بين **رحمة** الجسد الهزيل الممدد، وبين **سليم** الذي ينام داخل حِضن الحضانة الصناعية، يُصارع بأنفاسه الصغيرة المكتومة ليعود إلى الحياة.
في تمام الساعة الرابعة فجرًا، خرج الطبيب المعالج والإنهاك يبدو على وجهه، لكن ملامحه كانت أهدأ من السابق. التفتُّ إليه بلهفة والخوف يخلع قلبي: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إنهم عاشوا”.
تنهد الطبيب وقال وهو يربت على كتفي: “الحمد لله، تجاوزنا مرحلة الخطر الحرجة. مؤشرات الكلى عند المدام بدأت تنتظم بعد ما استجاب جسمها للمحاليل المركزة، والطفل الصغير بطل.. حرارته نزلت لـ 37 ونصف ورئته بدأت تتنفس بشكل طبيعي. تقدر تدخل لها خمس دقائق بس بدون إجهاد”.
دخلت الأوضة بخطوات مرتعشة. كانت **رحمة** قد استعادت وعيها بالكامل، لكن وجهها كان يحمل حزنًا أعمق من أي جرح جسدي. ارتميت على ركبتي بجانب سريرها، أمسكت يدها الباردة وقبلتها مئة مرة وأنا أقول والدموع تخنقني: “سامحيني يا رحمة.. أنا السبب.. أنا اللي رميتك للذئاب بإيدي وعميت عيني عن الحق”.
نظرت إليّ وعيناها تفيضان بالدموع، وقالت بصوت متحشرج: “الموت كان قريب مني قوي يا مصطفى.. كنت بسمع صوت ابننا بيموت جنب مني ومش قادرة أتحرك شبر واحد عشان ألحقه.. أمك كانت بتقف تبص علينا من باب الأوضة وتشرب شاي وتقول لأختك: (سيبيهم ينشفوا عشان تتربى وتعرف إن الله حق)”.
ضغطت على يدها بقوة والغل يأكل أحشائي: “وحق دموعك ووجع قلبك ده، لآخذ حقك بالقانون وبشرع ربنا.. مش هرحمهم”.
في صباح اليوم التالي، استدعاني وكيل النيابة في سراي المحكمة لسماع أقوالي كمبلغ وشاهد، ولحضور مواجهة مبدئية.
دخلت غرفة التحقيق، ووجدت أمي **فاطمة** وأختي **شيرين** جالستين على مقعد خشبي، والكلابشات الحديدية تربط يديهما معًا. كانت أمي قد فقدت جبروتها الشكلي، ووشها شاحب، بينما كانت شيرين تبكي بنحيق وتصرخ: “والله ما عملنا حاجة.. هي اللي رمت نفسها من على السرير عشان تتبلى علينا!”.
انقضضت نحوهم لولا أن عساكر الحراسة منعوني، فصرخت فيهم: “تتبلى عليكم؟ والدهب اللي سرقتوه؟ وتليفونها اللي حرزوه معاكم في البيت؟ والجفاف اللي كان هيموت ابني؟ أنتم مش بشر.. أنتم شياطين!”.
طرق وكيل النيابة على مكتبه بقوة: “هدوء هنا! الزم حدودك يا محضر”. ثم التفت إلى أمي وقال بنبرة حاسمة: “المتهمة فاطمة.. تقرير الطب الشرعي أثبت وجود بصماتك على عنق المجني عليها، وتقرير المعمل الجنائي أكد إن الكدمات والسحل تتطابق مع آثار جذبها من شَعرها في صالة الشقة، فضلًا عن ضبط مسروقات المجني عليها (الذهب والهاتف) في غرفتك الخاصة.. بماذا تفسرين ذلك؟”.
