جوزي توفى حكايات رومانى مكرم 1

جاءني صوتها مخنوقاً ومتحشرجاً بالبكاء من الداخل:
* “هناء؟ الحقيني يا خيتي، كامل لو رجع ولقاني هنا هيدبحني.. الورقة.. الورقة اللي تحت المكتب فيها مصيبة!”
سألتها بلهفة والخوف ينهشني:
* “ورقة إيه يا سعاد؟ جابر جرى له إيه؟ أنتي قولتي جابر مات بـ…”
قبل أن تكمل سعاد كلمتها، سمعت صوت حركة في نهاية الممر، وصوت خشخشة مفاتيح كامل يعود مجدداً! لقد نسي شيئاً وعاد ليتأخذه. لم يكن أمامي سوى ثوانٍ معدودة؛ إما أن أهرب لغرفتي وأترك سعاد لمصيرها، أو أواجه مصيراً مجهولاً يغير مسار كل شيء في هذا البيت الكبير.
تراجعتُ خطوتين للخلف، والرعب يشلّ تفكيري. صوت المفاتيح يقترب، وكامل يتنحنح بصوته الأجش في أول الممر. لو رآني هنا في هذا الوقت المتأخر، ستكون نهايتي ونهاية سعاد.
بدون تفكير، اندفعتُ نحو المطبخ الصغير القريب من الممر، سحبتُ كوباً من الزجاج كان موضوعاً على الرخامة، وألقيته بكل قوتي على الأرض ليتناثر مئة شظية، ثم أطلقتُ صرخة خافتة متعمدة.
في نفس اللحظة، انفتح باب الممر وظهر كامل، وعيناه تتطاير منهما الشرارة. نظر إليّ وأنا أدّعي الفزع وأمسك بقدمي، ثم نظر إلى كوب الزجاج المكسور. هدر بصوته القوي:
* “واقفة إهنه بتعملي إيه يا هناء في وقت زي ده؟! وإيه اللي كسر الزجاج ده؟”
قلتُ بصوت يرتعش، والدموع تنهمر من عيني صادقة من فرط الخوف:
* “كنت.. كنت عطشانة يا أبو فاروق، وجيت أشرب في الضلمة الكوباية وقعت من يدي، ورجلي انجرحت.. أنا آسفة، هلمّه واطلع طوالي على أوضتي.”
بص لي بنظرات فاحصة، وكأنه يزن كلماتي بميزان الشك. نظر نحو باب المكتب المغلق، ثم أعاد نظره إليّ وقال بنبرة جافة:
* “حصل خير.. لمي الزجاج ده وحصليني على تحت، أنا نازل المضيفة، ومش عايز أشوف خيال حد في الممر ده واصل لحد الصبح، سامعة ولا لاه؟”
* “سامعة يا خويا.. سامعة.”
انصرف كامل ونزل الدرج الثقيل، واستمعتُ لخطواته حتى تأكدتُ أنه غادر البيت تماماً متوجهاً للمضيفة الخارجية. تنفستُ الصعداء، وأسرعتُ نحو باب المكتب. أخرجتُ من جيب جلابيتي “بنسة شعر” حديدية، وبحكم عيشتي القديمة في بيت والدي كنت قد تعلمت كيف أفتح بها الأقفال البسيطة. بعد محاولتين فاشلتين ويداي ترتعشان، طقطق القفل وانفتح الباب.
خرجت سعاد من خلف الستارة وهي تكاد يغشى عليها من الرعب، وجهها كان أصفر كالأموات. انحنيتُ بسرعة البرق تحت المكتب، التقطتُ الورقة الصفراء القديمة، ودسستها في صدري دون أن أقرأها.
