عيب جوزي 2

التفتت الرؤوس كلها نحو إجلال التي صرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض مغشياً عليها، بينما داوود جن جنونه داخل القفص، وبدأ يضرب القضبان الحديدية بيديه ويصرخ بهستيريا: “كامليا!! حرام عليكي.. هدمتي حياتي وحياة أمي! ارحميني يا كامليا!”
نظرتُ إليه نظرة أخيرة من خلف نظارتي الطبية، ولم تتزحزح في قلبي ذرة شفقة واحدة. أشرتُ بيدي لمحاميّ لمتابعة الإجراءات، واستدرتُ لأغادر القاعة وسط ذهول الحاضرين وزلزال الفضيحة الذي هز أروقة المحاكم.
ولكن.. بينما كنتُ أخطو خارج باب المحكمة، استقبلتُ اتصالاً عاجلاً من المستشفى.. صوت الحكيمة كان يصرخ باهتزاز: “دكتورة كامليا.. الحقينا! دينا جات المستشفى في حالة حرجة جداً، حصل لها نزيف حاد ومفاجئ، والبنت بتموت في بطنها، ومفيش أي دكتور نسا متاح حالاً غيرك!”
توقفتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي.. دينا التي خانتني مع زوجي وسرقت بيتي، تقف الآن بين الحياة والموت، وحياة جنينها معلقة بين يديّ أنا بالذات!
فهل ستدخل كامليا غرفة العمليات وتنقذ الست التي دمرت حياتها وجنينها لتثبت أمانتها الطبية؟ أم أن مرارة الانتقام ستجعلها تترك القدر يقتص من دينا داخل نفس المستشفى التي بدأت فيها الحكاية؟ وما هي المفاجأة الكبرى التي تنتظر داوود وإجلال في الجلسة الختامية والنطق بالحكم؟
لم أتردد إلا لثوانٍ معدودة، ثوانٍ جرى فيها شريط ثماني سنوات من الظلم والقهر أمام عيني، لكن صوت القسم الطبي الذي أقسمته يوم تخرجي كان أعلى وأقوى من نيران الانتقام. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بأقصى سرعة نحو مستشفى قصر العيني، وأنا أقول لنفسي: “داوود انتقم لنفسه بنفسه بنذالته، ودينا دمرت حياتها بطمعها.. أما أنا، فالدكتورة كامليا، ومشرطي يقطع ليداوي، لا ليقتل.”
دخلتُ المستشفى كالإعصار، ارتدَيتُ ملابس التعقيم بلمح البصر، ودفعتُ باب غرفة العمليات بقدمي. كانت دينا غائبة عن الوعي، وجهها بلون الورق، وجهاز نبض الجنين يصدر أصواتاً متسارعة ومتقطعة تنذر بالخطر. نظرتُ إلى طاقم التمريض وقلتُ بحسم: “بنج كلي حالاً.. علقوا كيسين دم.. تجهيز حضّانة للأطفال المبتسرين.. النزيف حاد وانفصال المشيمة كامل، قدامنا دقائق لإنقاذ الجنين!”
بدأتُ العمل.. يداي اللتان ركبتا السونار بالأمس بغصة، كانت تشق البطن اليوم بأعلى درجات الاحترافية الطبية. لم أرَ في دينا المرأة التي خطفت زوجي، بل رأيتُ جسداً مستضعفاً يطلب الحياة. بعد دقائق من التوتر وحبس الأنفاس، تعالت صرخة صغيرة، رفيعة ومتقطعة، هزت جدران الغرفة.. صرخة البنت!
