عيب جوزي 2

سحبتُ نفساً عميقاً، والقطع المفقودة من اللغز بدأت تترتب في عقلي. الآن فهمتُ لماذا كان داوود مستميتاً على إبقائي في حياته ثماني سنوات رغم اتهام أمه لي بالعقم، كان يحتاج لغطاء عائلتي واسم والدي ليحمي أعماله القذرة!

التفتُّ إليها وقلتُ بلهجة حاسمة: “وإيه اللي يضمن لي إن كلامك ده صح؟ وإنك مش مبعوتة من داوود عشان تشتتيني؟”

أخرجت دينا من حقيبتها مفتاحاً صغيراً غريب الشكل، ووضعته على الطاولة بيد ترتعش: “ده مفتاح الخزنة السرية.. إبراهيم، أبو البنت، كان شغال مع داوود في العمليات دي وهو اللي سرق المفتاح ده عشان يساوم داوود بيه، بس داوود قفشه وحبسه في مخزن وناوي يخلص منه ويلبسني أنا وإياه قضية سرقة.. أنا جيت لك عشان عارفة إنك الوحيدة اللي تقدري تقفي في وشه، وعشان ترحميني وتنقذي بنتي من الملجأ لو أنا اتسجنت!”

نظرتُ إلى المفتاح، وتذكرتُ كل ليلة بكيتُ فيها في زاوية هذه الشقة وأنا أظن نفسي سبباً في حرمانه من الأبوة. أخذتُ المفتاح، وقمتُ بالاتصال فوراً بالمحامي الخاص بي وقوة الشرطة المسؤولة عن الحجز الإداري على المكتب.

في تمام الساعة الثالثة فجراً، وبحضور وكيل النيابة والمحامي، تم فتح المكتب المحجوز عليه، والتوجه إلى الجدار الخفي خلف لوحة المرافعة الكبرى. تم فتح الخزنة السرية.. وكانت المفاجأة تفوق كل التوقعات؛ ملفات مزورة، وعقود وهمية، ومبالغ مالية ضخمة غير مشروعة، وتحويلات بنكية باسم “إجلال” والدته!

في صباح اليوم التالي، كانت الجلسة الأولى لمحاكمة داوود في قضية إيصالات الأمانة والنصب.

دخلتُ قاعة المحكمة بكامل أناقتي، بالطو الطبيب فوق كتفي، وخطواتي ثابثة تعكس انتصاراً طال انتظاره. كان داوود يجلس في قفص الاتهام، ووجهه شاحب، وشعره أشعث، وقد زالت عنه كل مظاهر الهيبة والمحاماة. وفي المقاعد الخلفية كانت تقف “إجلال” تبكي بحرقة وتنظر إليّ بعيون مليئة بالرجاء والانكسار.

بمجرد أن بدأت الجلسة، وقف محامي داوود يحاول المماطلة وطلب التأجيل، لكن محاميّ الخاص تقدم بخطوات واثقة نحو منصة القضاء، ووضع ملفاً ضخماً أسود اللون أمام المستشار، وقال بصوت جهوري هز أرجاء القاعة:

“سيادة المستشار، نطالب بتعديل قيد وتوصيف القضية، وضم الأحراز الجديدة المستخرجة من الخزنة السرية للمتهم برقم محضر جنايات رسمي، والتي تثبت ارتكابه لجنايات التزوير الكبرى، والكسب غير المشروع، واستغلال النفوذ، ونطالب بضبط وإحضار شريكته الأولى في الأرباح.. والدته المتواجدة بالقاعة!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!