اختبا العريس حكايات اسما 1

اختبأ العريس تحت سرير فندق في القاهرة ليلة زفافه كمزحة… فسمع إخوته يقولون:
“بعد الفرح… مراته مش هتبقى في أمان إلا لما تمضي على أي ورق نحطه قدامها.”
سمعت الجملة دي وأنا مستخبي تحت سرير جناح فخم في فندق مطل على النيل في الزمالك… خدي لازق في السجاد، وقلبي بيدق بعنف لدرجة حسّيت إنهم هيسمعوه.
اسمي أدهم السيوفي.
وفي اليوم اللي بعده، كان المفروض أتجوز ياسمين… الست الوحيدة اللي قدرت تهدّي الفوضى اللي جوايا بعد سنين من الشيل والتعب وتحمل عيلتي كلها فوق ضهري.
في الليلة دي… عملت أغبى قرار في حياتي.
قررت أستخبى في جناحي بالفندق كنوع من الهزار، علشان أسمع عيلتي وهي فاكراني مش موجود.
كنت متوقع أسمع حاجة حلوة.
يمكن أختي نادين تقول إنها فرحانة إني لقيت الحب من جديد.
يمكن إخواتي كريم وحسام يضحكوا على ذكريات زمان ويعاكسوني زي أي إخوات قبل الفرح.
لكن أول اتنين دخلوا الأوضة كانوا كريم وحسام.
قال كريم وهو بيقفل الباب:
ــ بكرة كل حاجة هتتغير.
ضحك حسام وقال:
ــ أخيرًا ماكينة الصرف المتحركة هتتجوز.
الهوا وقف في صدري.
أنا اللي دفعت ديونهم كلها.
أنا اللي اشتريت شقة لنادين في مدينة نصر علشان تساعدني مع ولادي وأنا في الشغل.
أنا اللي سددت قروض كريم… وغيرت عربيته مرتين… وصدقت كل مرة يقول دي “آخر أزمة”.
وساعدت حسام يفتح مشروعين.
الاتنين فشلوا.
وفي كل مرة كان يلوم الظروف… والشركاء… والسوق… أي حاجة إلا نفسه.
ومع ذلك… كنت مؤمن إن العيلة أهم من أي حاجة.
قال حسام:
ــ الورق جاهز؟
رد كريم بثقة:
ــ طبعًا. بعد الفرح، أدهم هيمضي على أوراق الصندوق العائلي. هو أصلًا عمره ما بيقرأ حاجة تخصنا.
حبست نفسي.
وبعدين بدأوا يتكلموا عن ياسمين.
قال كريم بصوت منخفض:
ــ البنت دي خطر.
ضحك حسام:
ــ دي هادية زيادة عن اللزوم.
ــ وده اللي مخوفني… الست الهادية بتلاحظ كل حاجة.
وسكت ثانية… قبل ما يكمل:
ــ زي ريم.
ريم.
طليقتي.
الست اللي قضيت معاها سنين من الخناق والشك والضغط لحد ما جوازنا انهار.
كنت فاكر إننا دمرنا بعض بسبب اختلافنا.
لكن كريم ضحك وقال:
ــ ريم كانت سهلة. كنا بنغذي شكوكها شوية شوية… نوريها نص الحقيقة… ونسيبها تكمل الباقي بخيالها. كانت بتتخانق مع أدهم… وإحنا نكسب من الناحيتين.
بطني اتقلبت.
وبعدين حسام سأل السؤال اللي جمّد الدم في عروقي:
ــ والولاد؟
وطي كريم صوته:
ــ لو ياسمين بقت أذكى من اللازم… هنستخدم الولاد. أدهم عمره ما هيختار حد عليهم.
سكتوا لحظة.
ثم قال كريم بهدوء مرعب:
ــ غير إن لسه معانا السر.
اتشنج جسمي كله.
قال حسام بسرعة:
ــ ملف المستشفى؟
ــ أيوه.
غطيت بقي بإيدي.
الدنيا بدأت تلف.
قال كريم:
ــ السر اللي لو طلع… هيدمره.
حسام شتم تحت نفسه.
ــ هو لسه ميعرفش؟
ــ لا. أدهم أصلًا مش متأكد إن الولاد ولاده.
في اللحظة دي… حسيت إن الأرض فتحت تحت السرير وبلعتني.
عمر وآدم كانوا حياتي كلها.
كل ساعة شغل زيادة… كل سفرية… كل جنيه… كل تعب… كان علشانهم.
وإخواتي بيتكلموا عنهم كأنهم أسلحة.
وفجأة… وقع شيء من جيب كريم على الأرض.
ظرف أبيض صغير.
اتزحلق فوق السجادة… ووقف على بعد سنتيمترات من وشي.
كان مكتوب عليه اسم ياسمين.
عرفت الخط فورًا.
نادين.
أختي.
الست اللي وثقت فيها مع ولادي.
اللي دفعتلها… وحميتها… ودافعت عنها قدام أي حد قال إنها بتستغلني.
بصيت للظرف وأنا حرفيًا مش قادر أتنفس.
أصواتهم فوقي بقت بعيدة.
لأن معنى الظرف ده إن نادين مش مجرد متفرجة.
دي جزء من كل حاجة.
مدّيت إيدي ببطء ناحية الظرف… بحذر رهيب علشان ماعملش صوت.
وفي اللحظة دي… المراتب نزلت فوقي فجأة.
حد قعد على طرف السرير.
ثم قال كريم فجأة:
ــ استنى…
الغرفة سكتت تمامًا.
قال حسام:
ــ في إيه؟
صوت كريم نزل أكتر:
ــ إنت سمعت حاجة؟
إيدي تجمدت قبل الظرف بسنتيمترات.
كنت شايف جزمهم قدامي دلوقتي.
جزمة كريم السودة اللامعة.
وجزمة حسام البنية.
قريبين جدًا.
ثم انحنى أحدهم.
السرير صرّ.
ظل طويل اتحرك على الأرض.
حد كان بينزل يبص تحته.
لزقت جسمي أكتر في السجاد، وقلبي بيخبط ضلوعي بعنف، والظرف اللي عليه اسم ياسمين مرمي جنب وشي كأنه قنبلة.
وفي نفس الثانية…
موبايلي اهتز في جيبي.
مرة.
ثم مرة تانية.
كريم وقف فجأة.
همس حسام:
ــ في حد هنا.
قفلت عيني.
لأن الليلة اللي قبل فرحي… كنت بدور على هزار عائلي بسيط.
لكن بدل كده… اكتشفت خطة لسرقة فلوسي… وتهديد مراتي المستقبلية… والتلاعب بولادي… ودفن سر في ملف مستشفى ممكن يغيّر حياتي كلها.
ودلوقتي…
كانوا على وشك يلاقوني تحت السرير.
صوت اهتزاز الموبايل كان عالي في ودني كأنه إنذار حريق.
مرة. ثم مرة تانية.
كريم اتجمد.
شفت ضل إيده وهو بينزل أكتر ناحيتي، والمرتبة غرقت فوق صدري لدرجة حسيت نفسي هتخنق.
همس حسام: ــ في حد تحت السرير؟
قلبي كان بيدق بعنف مرعب. لدرجة فعلًا افتكرت إنهم سامعينه.
وفي الثانية اللي كنت متأكد فيها إن كل حاجة انتهت…
رن تليفون الغرفة الأرضي فجأة.
الصوت قطع التوتر كالساطور.
كريم اتعدل بسرعة وهو بيشتم: ــ مين الزفت بيرن دلوقتي؟
حسام رد بعصبية: ــ أكيد الفندق.
رن التليفون مرة تانية.
ثم تالتة.
كريم اتنهد بضيق ومشى ناحيته. وأنا تحت السرير حرفيًا كنت بحاول أتعلم إزاي أتنفس من غير صوت.
رفع السماعة: ــ أيوه؟
صمت. ثم ملامحه اتغيرت.
ــ دلوقتي؟!
بص لحسام: ــ أبو العروسة وصل تحت وعايز يشوفنا.
حسام شتم: ــ الراجل ده ما بينامش؟
ــ يلا.
اتحركوا بسرعة.
لكن قبل ما يخرجوا… كريم وقف فجأة.
لف ناحية السرير تاني.
ثم انحنى وخطف الظرف من على الأرض.
روحي تقريبًا خرجت مني.
بص للظرف، عقد حاجبيه، ثم حطه في جيبه.
ــ كنت هنساه.
وبعدين خرجوا.
الباب اتقفل.
وساعتها فقط… قدرت أتنفس.
فضلت تحت السرير دقيقة كاملة، مش قادر أتحرك. مش قادر أصدق.
إخواتي. الناس اللي شيلتهم فوق ضهري سنين. الناس اللي كنت مستعد أبيع عمري علشانهم.
بيتكلموا عني كأنني حيوان مربوط في مزرعة.
“ماكينة صرف.” “نستخدم الولاد.” “ملف المستشفى.”
الجملة الأخيرة كانت بتضرب في دماغي كالمطرقة.
أولادي. عمر وآدم.
مش متأكد إنهم ولادي؟
طلعت من تحت السرير بالعافية، ركبي كانت بتترعش. الأوضة الفخمة حواليا بقت غريبة، كأنها مش بتاعتي.
المراية الكبيرة عكست شكلي.
بدلة الفندق البيضاء. شعري منكوش. ووش واحد اكتشف إن حياته كلها كانت متبنية على رمل.
طلعت موبايلي بسرعة.
الاهتزاز اللي تقريبًا كشفني كان من ياسمين.
رسالتين.
“وصلت البيت الحمد لله ❤️”
“أوعى تنام متأخر يا عريس.”
قفلت عيني للحظة.
ياسمين.
الشيء الوحيد الحقيقي اللي حسيت بيه من سنين.
وفجأة… بقيت مرعوب عليها.
مش من ناس غريبة. من عيلتي.
مشيت بسرعة ناحية الباب، لكنني وقفت فجأة.
لا.
لو نزلت دلوقتي وواجهتهم، هينكروا. وهيخبوا كل حاجة. والسر هيفضل مدفون.
أنا محتاج أعرف.
خصوصًا ملف المستشفى.
رجعت أخدت نفس طويل. ثم فتحت اللاب توب.
كان عندي وصول لحسابات الشركة كلها. كل التحويلات. كل الصناديق. كل العقود.
بدأت أفتش.
وفي أقل من ساعة… اكتشفت أول خازوق.
صندوق عائلي باسمي أنا. لكن فيه تحويلات بملايين خرجت خلال آخر سنتين. بتوقيعات إلكترونية باسمي.
أنا ما مضتش عليها.
جسمي كله برد.
كريم كان بيسرقني.
مش مرة. ولا اتنين.
سنين.
وكل مرة يغطوا الموضوع بحجة “استثمارات عائلية.”
لكن ده ماكانش أسوأ شيء.
الأسوأ جه لما فتحت ملف باسم قديم:
“مستشفى النور – خاص.”
إيدي بدأت تعرق.
الملف كان مقفول بكلمة سر.
لكن كلمة السر كانت سهلة بطريقة خلت معدتي تقلب.
اسم أمي.
فتحت الملف.
وفي اللحظة دي… حياتي كلها اتشقلبت.
تحاليل. تقارير. مراسلات بين كريم وطبيب.
وجملة واحدة فوق تقرير DNA قديم:
“النتائج تؤكد عدم وجود تطابق بيولوجي بين أدهم السيوفي والطفل آدم.”
وقفت أبص للشاشة.
مرة. واتنين. وعشرة.
مش فاهم.
آدم؟
ابني الصغير؟
مش ابني؟
نفسي اتسحب من صدري.
رجعت بذاكرتي خمس سنين لورا.
ريم وهي بتعيط وتقسم إنها عمرها ما خانتني. كريم وهو يقول: ــ الستات لما تتزنق تقول أي حاجة.
حسام وهو يغذي شكوكي كل يوم.
“شايف آدم مش شبهك؟” “لون عينه غريب.” “ريم متغيرة.”
افتكرت الخناقات. الشك. البرود. الطلاق.
افتكرت إني كنت ببص لابني أحيانًا وأحارب أفكار وسخة زرعوها جوايا.
ثم لقيت ملف تاني.
“نتيجة معدلة.”
فتحتها.
والدنيا سكتت.
التحليل الأصلي كان بيقول العكس تمامًا.
آدم ابني.
100%.
لكن حد عدّل النتيجة.
حد لعب في التقرير.
والمراسلات كانت بين الطبيب… وكريم.
وقتها فقط فهمت.
إخواتي دمروا جوازي الأول. زرعوا الشك. خلوني أخسر ريم. وبعدين استخدموا انهياري علشان يتحكموا في فلوسي أكتر.
وقعت على الكرسي.
مش قادر أتنفس.
أنا… ضيعت مراتي. وعذبت نفسي. وبعدت عن ابني…
بسببهم.
رن موبايلي.
ريم.
الساعة كانت 2:17 بعد منتصف الليل.
بصيت للاسم طويلًا قبل ما أرد.
صوتها طلع متوتر: ــ آدم سخن جدًا ومش راضي يهدى… وأنا معرفتش أوصلك.
قلبت وشي بعيد وأنا بمسح دموعي بسرعة.
ــ أنا جاي حالًا.

بعد أربعين دقيقة، كنت واقف قدام شقة ريم في الدقي.
فتحت الباب بسرعة.
كانت مرهقة. لابسة تريننج قديم. شعرها مرفوع بعشوائية.
وشها اتغير أول ما شافتني.
واضح إنها مستغربة حضوري السريع.
ــ الحرارة مش بتنزل.
دخلت فورًا.
آدم كان نايم على الكنبة الصغيرة، وشه أحمر من السخونية، وأنفاسه سريعة.
ركعت قدامه بدون تفكير.
ولأول مرة من سنين… بصيت له من غير ذرة شك.
ابني.
ابني فعلًا.
إيدي اترعشت وأنا ألمس شعره.
ريم كانت واقفة تراقبني بصمت.
ثم قالت بهدوء حذر: ــ مالك؟
رفعت عيني لها.
وفي اللحظة دي… شفت التعب اللي أنا سببته.
سنين من الاتهامات غير المباشرة. سنين وهي حاسة إني ببص لابني بنظرة ناقصة.
همست: ــ أنا آسف.
هي اتجمدت.
لأن دي أول مرة أقولها.
كملت بصوت مكسور: ــ أنا ظلمتك.
ريم فضلت باصة لي ثواني طويلة.
ثم قالت: ــ أخوك قالك الحقيقة أخيرًا؟
اتصدمت: ــ إنتِ كنتِ عارفة؟
ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة: ــ يا أدهم… أنا عشت وسطهم سنين. عارفة كويس هما يقدروا يعملوا إيه.
سكتت. ثم قالت: ــ بس كنت مستنياك تثق فيا… مرة واحدة بس.
الجملة دخلت في صدري ك*س*كينة.
لأنها كانت عندها حق.
أنا اخترت أصدق إخواتي بدل الست اللي شاركتني حياتي.
قعدت جنب آدم، وأنا حاسس إني أوطى إنسان على الأرض.
ريم قالت بعد صمت: ــ ليه اكتشفت ده دلوقتي؟
بصيت لها.
ثم حكيت كل شيء.
الفندق. السرير. الكلام. الملف.
كلما كنت أتكلم… ملامحها كانت بتتجمد أكتر.
خصوصًا لما قلت: ــ هما ناويين يأذوا ياسمين.
ريم سكتت لحظة. ثم قالت بحزم: ــ يبقى متتجوزهاش بكرة.
شهقت: ــ إيه؟
ــ طول ما إنت لسه مربوط بعيلتك بالشكل ده… أي ست جنبك هتتحرق.
الجملة كانت قاسية.
لكن حقيقية.
بصيت لآدم. ثم لريم. ثم سألت السؤال اللي كان مخوفني:
ــ إنتِ… عمرك كرهتيني؟
ريم ضحكت بمرارة: ــ كرهتك؟ لا. أنا كنت بكره إني كل يوم بخسرك شوية… وإنت مش واخد بالك.
الصمت اللي حصل بعدها كان أثقل من أي خناقة بينا.
وفجأة… افتكرت ياسمين.
طلعت موبايلي بسرعة واتصلت.
ما ردتش.
اتصلت تاني.
مفيش.
قلبي بدأ يدق بعنف.
بعت رسالة: “ياسمين ردي عليا حالًا.”
ولا حاجة.
ريم لاحظت وشي: ــ في إيه؟
ــ هي مبتردش.
في اللحظة دي… جالي إشعار.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكانت صورة.
ياسمين.
نايمة على كنبة في جناح الفندق. واضح إنها مش واعية.
وتحت الصورة رسالة واحدة:
“العروسة لازم تتعلم تسمع الكلام بدري.”
الدم اتجمد في عروقي.
ريم شهقت: ــ يا نهار أبيض…
خرجت أجري قبل حتى ما أفكر.
ركبت العربية وطلعت بأقصى سرعة ناحية الفندق.
الساعة كانت قرب الرابعة فجرًا، القاهرة شبه فاضية، وأنا بسوق كالمجنون.
كل سيناريو مرعب كان بيعدي في دماغي.
هل أذوها؟ هل خطفوها؟ هل أخدوها علشان يضغطوا عليا؟
وصلت الفندق وطلعت الجناح بجنون.
الباب كان مفتوح.
دخلت.
الجناح فاضي.
لكن على الترابيزة… كان فيه الظرف الأبيض.
بتاع ياسمين.
فتحته بإيد بتترعش.
وجوا… ورقة واحدة بخط نادين.
“لو عايز تحافظ على اللي فاضلك… امضِ الصبح من غير مشاكل.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت حركة ورايا.
لفيت بسرعة.
وكانت ياسمين واقفة عند باب الجناح الداخلي.
مرهقة. مرعوبة. لكن سليمة.
جريت ناحيتها فورًا: ــ إنتِ كويسة؟!
هزت راسها ببطء.
ثم قالت الجملة اللي خلتني أعرف إن كل حاجة اتغيرت للأبد:
ــ أدهم… أنا سمعتهم.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!