5عيال امانى السيد 2

بدأت ببنتي الكبيرة، اللي كان عندها 13 سنة.. البنت دي كانت شايفة وعية لكل حاجة بتحصل، وكنت حاسة بخوفها وقلقها في عيونها. قعدت معاها، أخدتها في حضني واتكلمت معاها بمنتهى الصراحة، من غير ما أخبي عليها حاجة تناسب سنها. قولت لها: “يا بنتي، إحنا ملناش غير بعض، وأبوكي اختار طريق تاني، والبيت ده مش هيقف.. البيت ده هيكبر بينا وبمساعدتكم ليا”.
لقيت في عيونها نظرة نضج سَبقت سنها بمراحل، هزت راسها وقالت لي: “أنا معاكي يا ماما، ومش هسيبك”. ومن هنا بدأت الخطة.. مابقيتش أشيل الشيلة لوحدي، ومابقاش دوري إني أتهلك وهمّا يتفرجوا.
جمعتهم كلهم، من الكبير للصغير، وعملت معاهم قعدة صراحة مفيهاش زعل. قولت لهم إننا بقينا “فريق” واحد، وعشان المركب تمشي، كل واحد لازم يشيل مقداف. علمتهم يشاركوني في كل تفصيلة في البيت؛ الكبيرة بقت مسؤولة معايا عن تنظيم الأوض ومتابعة إخواتها الصغيرين، واللي بعده بقيت أخليه يروق الصالة ويلم اللعب، وحتى الصغيرين خالص علمتهم إزاي يشيلوا أطباقهم بعد الأكل ويدخلوها المطبخ.
بقيت أقف في المطبخ أجهز الأكل وهمّا حواليا؛ ده يغسل الخضار، ودي تجهز السفرة، وده يناولني التوابل. المكان اللي كان بيخنقني وبحس فيه بالهدد والتعب، اتقلب وبقى مليان ضحك ومشاركة وحكايات. بقيت أتكلم معاهم في كل حاجة، أسمع مشاكلهم في المدرسة، وأحكي لهم عن أحلامي ليهم.
الـ 5 عيال اللي جوزي كان فاكر إنهم هيهدوا حيلي وهيكسروني، بقوا هما الطاقة اللي بتحركني. بمشاركتهم وصراحتنا مع بعض، البيت رجعت له روحه، وحسيت لأول مرة إن “العزوة” مش بالعدد وبس.. العزوة بالقلوب اللي بتشيل بعضها وقت الشدة. وعرفت وقتها إن أول خطوة في طريقي الجديد نجحت، وإن اللي جاي هيخليه يندم أكتر وأكتر.
المسؤولية كبرت، ومصاريف الـ 5 عيال ومدرستهم وطلباتهم بقت تزيد يوم عن يوم، والقرشين اللي كان بيرميهم أول الشهر مابقوش يعملوا حاجة. قولت لنفسي: “أنا مش هسيب عيالي يحسوا إنهم ناقصهم حاجة، ولا هخليهم يبصوا لأي حد برا”. قررت إني لازم أنزل الشغل، ولقيت شغلانة مناسبة بمرتب كويس وتوقيتها مظبوط، بحيث أقدر أوفق بينها وبين وقت عيالي وبيتي.
وعشان المركب تمشي ومفيش حاجة تبوظ في غيابي، عملنا نظام جديد في البيت وبقينا ماشيين عليه بالمسطرة. يوم الإجازة بتاعي اتقلب ليوم “طوارئ مبهج”؛ كنت بدخل أنا والأولاد كلهم المطبخ، ونعمل خطة أكل الأسبوع كله.
بقينا نقف زي الورشة، ده يقشر بصل، وده يغسل خضار، وبنتي الكبيرة واقفة جنبي بتتعلم إزاي تظبط الأكل. كنا بنطبخ ونجهز وجبات الأسبوع كلها، ونقسمها في علب ونشيلها في الفريزر. التعب اللي كان الأول بيهد جبل، بقى وسط لمتهم ومشاركتهم شقا ولعب وضحك، والوقت كان بيعدي في ثانية.
ولما كنت بنزل شغلي الصبح، كنت بنزل وأنا مطمنة وراسي مرفوعة. بنتي الكبيرة، اللي بقت صاحبتي وسندي، كانت بتبقى هي “الملكة” في غيابي؛ تطلع علب الأكل، تسخنها لإخواتها في الميعاد، وتخلّي بالها من الصغيرين وتساعدهم في واجبتهم.
بقيت أرجع من الشغل هلكانة وتعبانة، بس أول ما بفتح الباب وألاقي البيت متروق، والأكل جاهز ، وبنتي لامة إخواتها حواليها، كنت بحس إن تعب الدنيا كله بيزول. الـ 5 عيال اللي أبوهم رماهم فاكر إنهم هيدفنوني صاحية، بقوا هما الجيش اللي بيحميني واللي ساندني في عز الأزمة.
مرت السنين والوجع اللي كان زمان بياكل في قلبي اتقلب لفخر ملوش أول من آخر. السنين جرت، والـ 5 عيال اللي شيلت همهم لوحدي كبروا وبقوا هما الحيطة اللي سانداني.
بنتي الكبيرة، صاحبتي وسندي، كبرت ودخلت الكلية اللي كانت بتحلم بيها.. ومكتفتش بكده، دي من أول سنة ليها بقت تدور على شغل من البيت يناسب دراستها، وفعلاً بدأت تشتغل وتكسب، وأول حاجة عملتها إنها حطت إيدها في إيدي وبقت تشيل معايا في مصاريف إخواتها اللبس والجامعة، وكأنها بتقولي: “ارتاحي بقى يا أمي، جه دوري أشيل عنك”.
وإخواتها كمان مشيوا على نفس الخطى؛ كبروا وهمّا شاربين المسؤولية من صغرهم، وعارفين قيمة كل قرش بيدخل البيت وقيمة التعب اللي تعبته عشانهم. مابقوش يطلبوا زي بقية العيال، ولا بقوا يضغطوا عليا.. بالعكس، بقوا يموّتوا نفسهم في المذاكرة، ويقعدوا يشرحوا لبعض ويذاكروا لبعض عشان ينجحوا بتفوق ويوفروا عليا تمن الدروس الخصوصية والمراكز. كانوا بيعملوا كل ده بحب وتحدي، وعيونهم كلها أمل إنهم يردوا لي الجميل.
أما هو.. الراجل اللي رمانا عشان يعيش حياته ويدور على راحته، فالأيام دارت بيه. مع الوقت، بطل يجي خالص.. مابقاش يقدر يحط عينه في عين عياله اللي بيكبروا وينجحوا من غيره، وبقى يكتفي بجروب على الواتساب أو تحويل بنكي يبعت فيه الفلوس كل أول شهر وهو ساكت. القرشين اللي كان بيجي يذلنا بيهم وهو لابس على السنْجة، بقوا يتبعتوا في رسالة ناشفة مفيهاش أي روح.
بقيت أبص حواليا في الصالة وأنا شيفاهم متجمعين؛ اللي بيذاكر، واللي شغال على اللاب توب، واللي بيساعدني في البيت.. وأبتسم وأقول في سري: “العزوة اللي كنت بتدور عليها يا ابن الناس، أنا اللي صنعتها بصحتي وصبري وصراحتهم معايا.. وأنت اللي طلعت من الدنيا دي لوحدك، ومابقاش ليك مكان وسطنا”.
السنين اللي مرت عليّ، دارت فيهم الدنيا دورتها وعوضتني عن كل ثانية قهر عشتها. الأيام والراحة النفسية غسلوا وشي، ورجعت لي روحي اللي كانت اتطفت؛ بقيت أقف قدام المراية وبدل الست الهلكانة، بقيت أشوف واحدة تانية خالص.. وشي نور، وجسمي ارتاح، والكل بقى لما يشوفني وسط عيالي يفتكروني أختهم الكبيرة مش أمهم من كتر ما شكلي صغر وراسي اترفع بيهم.
البيت اللي كان زمان مليان نكد وكسرة، بقى واحة من راحة البال، بيت دافي وماليان حب وسند. بعد ما كنت شايلة الهم لوحدي وبموت في اليوم مية مرة، بقيت عايشة فرحانة ومتهنية بولادي اللي كبروا وبقوا طول بعرض؛ مسؤوليتهم بقت أخف بكتير من الأول، لأنهم شالوا مسؤولية بعض معايا، وسندوا ضهري قبل ما يهدوني.
حتى أبوهم.. بعد السنين دي كلها طلقني رسمي، وفي الآخر بطل يبعت القرشين اللي كان فاكر إنه بيذلنا بيهم! بس الغريب إني ما اتهزتش، ولا حتى فارق معايا مليم واحد منه، ومابقتش أسأل عن أخباره ولا أعرف دنيته فيها إيه.. مابقاش ليه مكان أصلاً في ذاكرتنا. عيالي كبروا وبقوا هما اللي بيكفوا البيت ويفيض، بكرامتهم وعرقهم.
الرحلة الطويلة دي جنيت ثمرتها في الآخر؛ ولادي اتخرجوا ورفعوا راسي للسما، كلهم ما شاء الله دخلوا كليات قمة وبيتخرجوا منها بتفوق. بنتي الكبيرة، صاحبة عمري وسندي، ربنا عوضها واتخطبت لدكتور في الجامعة بيعشق الأرض اللي بتمشي عليها، والابن الصغير خلاص في آخر سنة ليه في الكلية.
بقيت أمشي وسط الناس والكل بيشاور عليا ، الكل بيحسدني على حياتي وعلى أدب عيالي ونجاحهم وسندهم ليا. العزوة اللي كان جوزي بيحلم بيها ورماها عشان يشتري راحته، بقت هي تاجي وسندي في الدنيا.. وأنا اللي صنعتها بصبري، والحمد لله رب العالمين اللي نصرني وخلى نهايتي فرح وجبر خاطر.
