لقيت بنتى حكايات اسما السيد 5

بعد سنة كاملة من خروج أحمد وأهله من البيت كنت واقفة قدام نفس البلكونة.
نفس البلكونة اللي بدأت منها الحكاية كلها.
الشمس كانت داخلة بهدوء من بين العمارات.
والهوا الخفيف بيحرك ستارة الصالة.
أما مريم فكانت قاعدة على الأرض في وسط السجادة بتلون رسمة كبيرة لبيت وأشجار وشمس مبتسمة.
وقفت أتأملها لدقائق طويلة.
في السنة اللي فاتت البنت دي اتغيرت بشكل ما كنتش أتخيله.
بقت تنام من غير كوابيس.
بطلت تصحى مفزوعة بالليل.
بقت تضحك من قلبها.
وبقت تاكل كويس.
وتحكي.
وتغني.
وترجع من الحضانة وهي متحمسة تحكيلي عن يومها.
وفي كل مرة كنت بشوف التحول ده كنت أعرف إني أخدت القرار الصح مهما كان مؤلم.
الحقيقة إن الطلاق ما كانش أسهل حاجة.
بالعكس.
كانت فيه أيام صعبة جدًا.
أيام كنت برجع فيها البيت مرهقة وأقعد أبكي بعد ما مريم تنام.
مش علشان أحمد.
لكن علشان نفسي.
علشان السنوات اللي ضاعت.
علشان المجهود اللي اترمى.
علشان الأحلام اللي اتكسرت.
كنت أحيانًا أسأل نفسي سؤال واحد.
إزاي وصلت للمرحلة دي من غير ما أخد بالي؟
إزاي سمحت لكل ده يحصل؟
لكن مع الوقت فهمت حاجة مهمة.
الاستغلال عمره ما بيبدأ مرة واحدة.
بيبدأ بخطوة صغيرة.
بتنازل صغير.
وبعدين تنازل أكبر.
وبعدين أكبر.
لحد ما تلاقي نفسك واقف في مكان عمرك ما كنت تتخيل إنك تقبله.
وأنا كنت قبلت حاجات كتير تحت اسم الحب.
وتحت اسم العيلة.
وتحت اسم الحفاظ على البيت.
لكن البيت الحقيقي عمره ما بيتبني على الظلم.
بعد عدة شهور من الطلاق كسبت قضية الدهب بالكامل.
المجوهرات رجعت.
والتعويض رجع.
لكن الغريب إني ما فرحتش بالفلوس.
الفرحة الحقيقية كانت في الإحساس إني استرديت كرامتي.
أما أحمد فالأخبار عنه كانت توصلني من وقت للتاني.
مش لأنني كنت بسأل.
لكن لأن الناس بتحكي.
عرفت إن الشركة اللي كان معتمد عليها انهارت بعد ما خرج منها.
وعرفت إن هبة سابته بعد فترة قصيرة.
وعرفت إن ريهام رجعت تعيش مع والدتها في شقة إيجار صغيرة.
وعرفت إن الحاجة نادية كانت طول الوقت بتلوم الكل إلا نفسها.
لكن لأول مرة في حياتي ما كانش يهمني.
لأن حياتهم بطلت تخصني.
وفي أحد الأيام بينما كنت خارجة من الشركة فوجئت بشخص واقف عند البوابة.
أحمد.
كان واقف بهدوء.
أنحف من زمان.
وأكبر من سنه الحقيقي.
ولما شافني قرب ببطء.
وقفت أسمعه.
قال:
“أنا عارف إنك مش عايزة تشوفيني.”
ما رديتش.
فكمل:
“بس كنت محتاج أقول حاجة.”
فضلت ساكتة.
قال:
“أنا كنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.”
لأول مرة حسيت إنه بيتكلم بصدق.
