زعيم المافيا كان عنده توأم2

جلس حسام الدمنهوري على كرسيه ببطء، وكأن الصدمة سحبت كل القوة من جسده. عيناه كانت تنتقلان بين ابنيه اللذين تحولا فجأة من طفلين خائفين إلى مستكشفين يطلقان أصواتًا خافتة ويرتسم على وجهيهما ذهول طفولي نقي، وبين ياسمين التي تقف أمامه بزي الخدمة البسيط وثبات لا يملكه عاتاة رجال الأعمال.

“صدى الصوت…” تمتم حسام بالكلمة وكأنه يتذوق مرارًا ست سنوات من العجز المصطنع. التفت إلى الحارس الشخصي الواقف خلفه وقال بنبرة حاسمة: “المطعم يقفل فورًا. مش عايز مخلوق يفضل هنا.”

في دقائق معدودة، أُخليت صالة “ليالي النيل” تمامًا. حتى عماد، مدير الصالة، انسحب وهو ينظر إلى ياسمين بنظرات تجمع بين الرعب والشفقة، ظنًا منه أن هذه الليلة ستكون الأخيرة لها فوق الأرض.

تبقت العائلة وياسمين فقط تحت أضواء الثريات الخافتة وصوت المطر الذي بدأ يهدأ بالخارج.

حسام أشار لياسمين إلى الكرسي المقابل له: “اقعدي.”

جلست ياسمين بهدوء، واضعة يديها في حجرها. تقدم عمر، الطفل الأصغر، نحوها بخطوات أكثر ثقة هذه المرة، مطلِقًا نقرة خفيفة بلسانه ليتفادى حافة الطاولة، حتى وصل إليها ولمس يدها برفق وقال: “أنتِ طنط اللي قلتي لنا؟”

ابتسمت ياسمين ودمعت عيناها: “آه يا حبيبي. إنت وعمر تقدروا تعرفوا كل حاجة حواليكم من غير ما تلمسوها.. بس لازم تدربوا ودانكم كويس.”

حسام كان يراقب المشهد وعقله يعمل كآلة حاسبة لا تهدأ. نظر إلى ياسمين وقال وعيناه تضيقان بشك: “لو الموضوع بالبساطة دي.. ليه أكبر دكاترة المخ والأعصاب في العالم ما قالوليش عليه؟ ليه سابوني أعيش في وهم إنهم عاجزين؟”

ردت ياسمين بثقة: “لأن الدكاترة بيدوروا على علاج للعين يا فندم. ولما العين بتفقد الأمل، بيقفلوا الملف. لكن العمى الحقيقي هو إننا نعطل باقي الحواس. بابا الله يرحمه عاش حياته كلها كفيف، وكان بيمشي في شوارع الحارة لوحده، بيعرف الحيطة من صدى خبطة عصايته، وبيعرف البيت المفتوح من البيت المقفول من تغير صوت الهوا.”

سكتت قليلًا ثم تابعت، وعيناها تلمعان بتحدٍ: “أولادك أذكيا جدًا يا حسام بيه. ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بحاجة أقوى.. بس إحنا اللي كنا قافلين عليهم في قفص من دهب.”

كلمة “قفص من دهب” لمست وترًا حساسًا في قلب الملياردير. تذكر كيف كان يمنعهم من الحركة، وكيف أحاطهم بحراس يلبون كل طلباتهم دون أن يترك لهم فرصة للمحاولة. كان يظن أنه يحميهم، لكنه كان يدفنهم أحياء.

وقف حسام وتحرك نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على النيل، واضعًا يديه في جيبي بنطاله. ظهرُه كان مشدودًا، لكن عقله كان يغلي. نفوذه، وأمواله، وسلطته… كل هذا لم يستطع شراء هذه اللحظة التي منحتها له جرسونة بسيطة براتب لا يتعدى بضعة آلاف من الجنيهات.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!