بقالى شهرين حكايات رومانى مكرم 3

فتحت الورق وإيدي بتقدم وتأخر، عيني جت على الأختام الرسمية وبدأت أقرأ السطور المكتوبة بذهول. الورق مكنش قضية ولا إنذار، ده كان إقرار رسمي وموثق في الشهر العقاري، ومعه تنازل عام.
كريم كاتب تنازل كامل عن الشقة بكل اللي فيها باسمي أنا، ومش بس كده، ده كمان كاتب إقرار قانوني وموثق بيشهد فيه على أمه بالواقعة اللي حصلت، وبيقّر إنها دخلت الشقة دون علمنا وحطت الذهب والفلوس بنية التبلي وتشويه السمعة، وإن كل ادعاءاتها السابقة ضد طليقته “ندى” كانت كذب وافتراء!
المحامي بصلي وقال بدهشة: “جوزك جه مكتبنا الصبح مع محاميه، وكان منهار تماماً.. ساب الورق ده وقال إنه مش عايز يخسرك، وإنه عمل كدة عشان يثبتلك إنه اشترى رضاكِ وباع الكل، والورق ده في إيدك دلوقتي تقدري تسجني بيه أمه بتهمة البلاغ الكاذب وتشويه السمعة، أو تطلبي الطلاق للضرر وتاخدي الشقة وتطرديها منها.”
أمي أخدت الورق من إيدي وبقيت تقرأ وهي مش مصدقة: “يا سبحان الله! يمهل ولا يهمل.. ده كتب شهادة وفاته بإيده مع أمه عشان يرجعلك يا سارة!”
فضلت واقفة مكاني، مشاعر متلخبطة بتهزني.. هل كريم عمل كدة فعلاً عشان فاق وعرف إنه كان مغيب؟ ولا دي لِعبة جديدة ومحاولة بائسة عشان يرجعني تحت طوعه وبعدها يقطع الورق ده أو ينتقم؟ الدموع لمعت في عيني لما افتكرت منظر حماتي وهي بتطردني، وافتكرت كلامها المسموم.
دخلت أوضتي وقعدت على السرير، مسكت الموبايل ولقيت رسالة من كريم مكتوب فيها:
“سارة.. أنا عارف إن الموت أهون عليكي من إنك تسامحيني، بس أنا غسلت عاري بـإيدي.. التنازل والإقرار معاكي، اعملي فيا وفي أمي اللي إنتي عايزاه، بس افتكري إني حاربت الدنيا كلها النهاردة عشان أصلح غلطتي.. أنا مستنيكي في الكافيه اللي كنا بنقعد فيه زمان، ومش همشي إلا لما تيجي وتسمعيني لآخر مرة.”
بصيت للرسالة ولقيت نفسي قدام خيارين أصعب من بعض: هل أروح وأواجهه بالورق ده وأسمع آخره إيه؟ ولا أستخدم الورق ده في المحاكم وأخلّص حقي وحق ندى من حماتي ومنه وأقفل الصفحة دي للأبد؟
حسمت أمري، لبست هدومي وأخدت الورق في شنطتي، ونزلت من غير ما أقول لأمي التفاصيل عشان متقلقش. وصلت الكافيه، ولمحت كريم قاعد في ركن بعيد.. كان باين عليه التعب، دقنه طويلة، وعينه حمرة ومنتفخة من قلة النوم.. أول ما شافني داخلة، قام وقف ولهفته كانت واضحة.
قعدت قدامه ببرود تام وحطيت الشنطة على التربيزة، وقولتله بنبرة جافة: “أنا جيت عشان الورق ده.. إيه المقابل يا كريم؟”
