ترضع ابني حكايات زهرة 3

وقدرت في جزء من الثانية أظافر إيدي تشبك في طرف قميص النوم الأبيض بتاعها!

الدفعة كانت قوية جداً، وجسمي اتشد لبرة السور، لدرجة إن نص صدري بقى برة البلكونة في الهوا. بفضل الله، رجلي شَبكت في حديد السور من تحت، وسندت بكل قوتي. كنت حاسس إن كِتفي هيتخلع من مكانه، ووزن رنا ويوسف بَيشدني لتحت، لضلمة الشارع اللي مفيهاش رحمِة.

رنا كانت متدلدلة في الهواء، غايبة عن الوعي تماماً وجسمها مرخي زي الجثة، ويوسف كان محشور بين دراعها وصدرها وبيصرخ صراخ مكتوم كأن نفسه بيتكتل. كنت بصرخ بكل ما أوتيت من قوة، صوتي كان طالع مجروح ومبحوح وسط ضلمة الليل: “ياااا رب! يا رب قَويني.. يا رب ابني ومراتي!”.

عفرت بكل غل، وبدأت أشد قماش القميص بإيدي التانية وأنا بضغط بأسناني لدرجة إن لثتي نزفت دم. بالباقي من قوتي، وبعزيمة راجل بيشوف عيلته بتضيع قدام عينيه، قدرت أرفعها سنتيمتر ورا سنتيمتر، لحد ما مسكت دراعها، وشديتها بكل عزمي ورميتها هي والواد جوة أرضية البلكونة.. ووقعت أنا فوقيهم وأنا بنهج ونبضات قلبي واصلة لوداني.

سحبت يوسف من حضنها بسرعة، الواد كان أزرق ونفسه ضيق، فضلت أطبطب على ضهره لحد ما شرق وصرخ، وعرفت إن الروح رجعت له. أما رنا، فكانت نايمة على بلاط البلكونة الساقع، وشها هادي جداً، كأنها كانت في حلم طويل ومش حاسة باللي حصل.

شيلتهم هما الاتنين ودخلتهم الأوضة وقَفلت باب البلكونة بالمفتاح والترباس، وشيلت المفتاح في جيبي. قعدت على الأرض في الضلمة، والنور لسه قاطع، وماسك الموبايل في إيدي.. وجنب رجلي القماشة البيضا اللي فيها بقع الدم والعمل الملعون اللي لقيته في هدومها.

كلام رنا قبل ما تتقلب ملامحها كان بيرن في ودني زي الخنجر: “أمه اللي باعت!”.

أمه؟! أمه مين؟ رنا؟ مستحيل.. رنا كانت بتموت من الرعب ومكنتش عايزة تسيب الواد. طب أمه مين؟.. “حماتي” هدى!

اسمها مكتوب في الورقة: “رنا بنت هدى”.

افتكرت الخناقة.. حماتي في المستشفى كانت بتزعق وتقول لأمي: “البنت بنتي والواد ابن بنتي، وإنتي مالكيش حاجة هنا، أنا اللي هربيه وأنا اللي هعمله كل حاجة!”. وافتكرت إن حماتي هي اللي صممت تشتري قميص النوم الأبيض ده بالذات لرنا عشان تولد وتلبسه فيه، وهي اللي جهزت الشنطة بإيديها وسابتهالنا!

الساعة بقت 4 الصبح. مسكت الموبايل، وبأيد بتترعش، طلبت رقم الشيخ عبد الرحمن. الخط قعد يجمع لحد ما رد وصوته كله نوم وقلق: “خير يا كريم؟ في إيه؟”.

حكيت له وأنا بعيط وبشهق من الصدمة عن اللي حصل في البلكونة، وعن الورقة والقماشة اللي فيها دم والاسم المكتوب.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!