عقد اسما 2

العربية كانت ماشية في شوارع القاهرة الهادية، وأنا باصة من الشباك والدموع بتنزل بصمت.
كل حاجة حواليا كانت ضبابية.
الإعلانات المنورة.
صوت الكلاكسات البعيدة.
المطاعم الزحمة.
ناس بتضحك وناس راجعة بيوتها عادي جدًا…
كأن العالم ماوقفش.
مع إن عالمي أنا كان لسه واقع من شوية.
أمي كانت قاعدة جنبي ساكتة، لكن إيدها على إيدي طول الطريق.
وحسام سايق بعصبية، لدرجة إنه كان كل شوية يضرب الدريكسيون بكفه وهو يشتم تحت نفسه.
أما ريم فكانت تبصلي من وقت للتاني بعين مليانة خوف عليا.
وصلنا البيت بعد نص الليل.
البيت القديم اللي كنت سايبة منه هدومي وفستان فرحي وأحلامي الصبح وأنا فاكرة إني راجعة عروسة.
أول ما دخلت أوضتي…
وقفت مكاني.
الفستان الأبيض كان متعلّق قدام الدولاب.
هادئ.
جميل.
كأنه مستنيني.
وفي اللحظة دي بس…
انهرت بجد.
وقعت على الأرض وأنا بعيط بعنف.
أمي جريت عليا، لكني كنت حاسة إن نفسي بيتقطع.
“أنا كنت بحبه يا ماما…”
قالتها كأني طفلة.
أمي حضنتني وقالت: “عارفة.”
“ليه طلع ضعيف كده؟”
سكتت ثواني.
ثم قالت بهدوء موجع: “علشان مش كل الرجالة اللي بتحب… تعرف تحمي.”
الليلة دي ما نمتش.
فضلت قاعدة على الأرض أبص للفستان.
وأفتكر كل حاجة.
أول مرة شفت كريم.
أول مرة مسك إيدي.
أول مرة قاللي إنه عمره ما حس بالأمان غير معايا.
وأفتكر كل مرة أمه أهانتني فيها وهو قال: “كبرّي دماغك.”
كل مرة كنت أتنازل فيها علشان الحب.
كل مرة كنت أقنع نفسي إن بعد الجواز كل حاجة هتتغير.
لكن الحقيقة…
إن الناس ما بتتغيرش بعد الجواز.
الحقيقة بس بتبان أوضح.
الساعة كانت داخلة على الفجر لما موبايلي رن.
كريم.
بصيت للاسم طويلًا.
قلبي وجعني.
لكن رديت.
صوته كان مكسور: “ليلى…”
ما رديتش.
قال بسرعة: “أنا آسف.”
غمضت عيني.
الجملة اللي كنت مستنياها سنين… جت متأخرة جدًا.
قلت بهدوء: “آسف على إيه؟”
سكت.
ثم قال: “على كل حاجة.”
ضحكت بمرارة: “دي مش إجابة.”
تنهد وقال: “أمي زودتها.”
“وأنت؟”
سكت تاني.
ودايمًا… سكوته كان بيوجع أكتر من الكلام.
قلت: “إنت عارف إيه أكتر حاجة كسرتني؟”
“إيه؟”
“إني وأنا واقفة قدام الورق ده… كنت لسه مستنية تختارني.”
صوته اتخنق: “أنا اخترتك.”
“لا يا كريم. الراجل بيبان اختياره وقت الضغط. وقت ما يقف قدام العالم كله ويقول دي مراتي ومحدش يهينها.”
سكت.
سمعت نفسه بس.
وبعدين قال: “أنا ممكن أصلح ده.”
بصيت للفستان الأبيض.
ثم قلت: “لو كنت تقدر… كنت عملتها الليلة.”
وقف صامت ثواني طويلة.
ثم قال بصوت واطي: “أنا بحبك.”
الدموع نزلت رغماً عني.
لأن أسوأ حاجة إنك تكتشف إن حد بيحبك فعلًا… لكنه أضعف من إنه يحافظ عليك.
قلت: “وأنا كنت بحبك كفاية علشان أضيع نفسي.”
ثم قفلت.
وفي اللحظة دي…
حسيت بألم غريب.
كأن قلبي بيتقطع… لكن بيتنفس لأول مرة.
الصبح جه ثقيل.
أمي كانت في المطبخ بتعمل شاي كأنها بتحاول تخلي اليوم طبيعي.
لكن مافيش حاجة كانت طبيعية.
الفرح اللي كان المفروض النهارده بقى ملغي.
الفستان لسه معلق.
والناس أكيد بدأت تعرف.
وفعلًا…
قبل الضهر بساعتين، التليفونات بدأت.
قرايب.
معارف.
فضول.
شائعات.
واحدة تقول: “أكيد طلبت مؤخر كبير.”
واحدة تانية: “أكيد البنت عملت مشكلة.”
وفي ناس قالت: “أكيد العريس اكتشف حاجة.”
المجتمع عمره ما يحب يسمع إن البنت هي اللي مشيت بكرامتها.
لازم يطلعوا فيها عيب.
لكن اللي فاجأني…
إن بعد ساعات، فيديو قصير بدأ ينتشر.
حد من المعازيم صور جزء من اللي حصل.
الصوت ماكانش واضح قوي، لكن كان واضح فيه سلوى وهي بتقول: “لو هي محترمة فعلًا هتمضي.”
ووشي وأنا بقلع الدبلة.
الناس بدأت تتكلم.
وفي خلال يومين…
القصة بقت معروفة وسط معارفهم كلهم.
وبدل ما الناس تلومني…
كتير وقفوا معايا.
بنات كتبتلي: “إنتِ عملتي اللي إحنا ما قدرناش نعمله.”
وستات أكبر قالت: “يا بختك إن ربنا كشفهم قبل الجواز.”
لكن سلوى…
جنّت.
عرفت بعدين إنها كانت بتلف على الناس تقول إني “بنت جاحدة وطماعة ودرامية.”
أما كريم…
فاختفى.
لحد الليلة اللي بعدها بأسبوع.
كنت قاعدة في البلكونة بالليل، لابسة بيجامة قديمة، ووشي مرهق من العياط وقلة النوم.
وفجأة سمعت صوت عربيته.
قلبي دق بعنف.
نزلت أبص من الشباك.
كان واقف تحت.
بهدوم بسيطة لأول مرة من سنين.
لا بدلة.
لا عربية فخمة جديدة.
ولا الشكل المثالي اللي أمه بتحب تظهره.
طلع بعد دقائق.
وأمي فتحتله.
دخل الصالون وهو شايل كيس كبير.
أول ما شافني…
وقف.
وبصلي كأن دي أول مرة يشوفني بجد.
قال بصوت هادي: “جبتلك حاجتك.”
بصيت للكيس.
فستاني.
الكعب الأبيض.
الميكب.
الحاجات اللي كانت في شقتنا.
حطهم على الترابيزة.
وسكت.
أنا كمان سكت.
لحد ما قال: “الشقة فاضية من غيرك.”
الكلمة وجعتني.
لكن ما اتكلمتش.
قرب خطوة وقال: “أنا سبت البيت.”
رفعت عيني بسرعة.
“إيه؟”
“اتخانقت مع أمي… ومشيت.”
حسام ضحك بسخرية من بعيد: “بعد إيه؟ بعد ما البنت اتهانت؟”
كريم ما ردش عليه.
كان باصصلي أنا بس.
وقال: “أنا غلطت.”
همست: “عارفة.”
“بس أنا بحاول أصلح.”
سألته بهدوء: “وصلحت إيه؟”
سكت.
ماكانش عنده إجابة.
ودي كانت المشكلة.
هو لأول مرة في حياته خرج من تحت جناح أمه… لكنه ماعرفش يعيش لوحده.
قال: “أنا ممكن أقطع علاقتي بيها.”
بصيتله طويلًا.
ثم قلت: “الموضوع ما بقاش أمك يا كريم.”
اتوتر: “أمال إيه؟”
“إنت.”
وشه اتشد.
كملت: “أنا بقيت خايفة أتجوز راجل ما يعرفش يقف وقت الصح.”
الكلمة دخلت فيه كالس*ك*ين.
شفتها في عينيه.
قال بسرعة: “أنا واقف أهو.”
هزيت راسي بهدوء: “بعد ما كل حاجة اتكسرت.”
قعد على الكنبة كأنه تعبان لأول مرة.
وقال بصوت مخنوق: “أنا طول عمري متربي إن أمي هي الصح. حتى وأنا كبير… كنت بخاف أخسر رضاها.”
قلت: “ولما خيرتك بيني وبينها… خسرتني أنا.”
دمع.
فعلًا دمع.
أول مرة أشوف كريم بيعيط.
وقال: “أنا ماكنتش متخيل إنك ممكن تمشي.”
ضحكت بوجع: “ودي كانت مشكلتك.”
سكتنا.
صمت طويل مليان حب مكسور.
ثم قال: “لو رجع بيا الزمن… كنت هقف جنبك.”
بصيتله بحزن: “بس الزمن ما بيرجعش.”
أمي دخلت وقتها وحطت كباية شاي قدامه.
وقالت بهدوء: “إنت ولد كويس يا كريم… بس الطيبة من غير شخصية بتتحول ضعف.”
طاطى راسه.
وأنا لأول مرة ما حسيتش برغبة أواسيه.
لأن التعب علمني إن الست مش مسؤولة تصلح الراجل كل عمرها.
هو لازم يصلح نفسه.
بعدها بأيام…
بدأت أرجع لشغلي.
في الأول كان صعب.
نظرات الناس.
الأسئلة.
لكن مع الوقت…
اكتشفت إني أقوى مما تخيلت.
رجعت أضحك.
أخرج مع ريم.
أقضي وقت مع أمي.
وأعيش من غير خوف من رأي سلوى أو رضاها.
أما كريم…
فكان يحاول.
يبعت ورد.
رسائل طويلة.
اعتذارات.
لكن في كل مرة كنت أحس بحاجة اتغيرت جوايا.
الحب لسه موجود…
بس الثقة ماتت.
وفي يوم، بعد حوالي شهرين، قابلته صدفة في كافيه.
كان أهدى.
أنضج شوية.
قعد قدامي وقال: “أنا بدأت علاج نفسي.”
اتصدمت.
ابتسم بحزن: “اكتشفت إن حياتي كلها كانت قائمة على إرضاء أمي… حتى لو على حساب نفسي.”
سكت لحظة.
ثم قال: “يمكن خسارتك كانت أول مرة أفوق.”
بصيتله طويلًا.
ثم قلت: “أتمنى فعلًا تبقى أحسن.”
ابتسم بوجع: “حتى لو مش لينا؟”
أخفضت عيني.
وهمست: “حتى لو مش لينا.”
لأن الحقيقة اللي كنت بهرب منها…
إن بعض الناس بنحبهم جدًا.
لكنهم يجوا في توقيت غلط.
أو بشخصية غير جاهزة للحب.
وفي النهاية…
الحب وحده ما يكفيش.
بعد سنة كاملة…
كنت واقفة في افتتاح مشروعي الصغير.
مركز تعليمي للأطفال.
الحلم اللي كنت مأجلاه علشان الجواز.
أمي كانت واقفة بفخر.
وحسام بيصور كل حاجة.
وريم بتعيط كالعادة.
وفي وسط الزحمة…
شوفته.
كريم.
واقف بعيد.
هادئ.
ولأول مرة… ما حسيتش بوجع وأنا بشوفه.
بس حنين خفيف لحاجة خلصت.
قرب بعد ما الناس مشيت.
وبص للمكان بابتسامة صغيرة.
وقال: “إنتِ عملتيها.”
ابتسمت: “أيوه.”
سكت شوية.
ثم قال: “أنا فخور بيكي.”
ولأول مرة…
ما تمنيتش نرجع.
لأن بعض النهايات المؤلمة… هي اللي بتفتح باب الحياة الصح.
مد إيده وسلم عليا.
وساعتها بس فهمت…
إني ما خسرتش نفسي لما سبت الجوازة.
أنا أنقذتها.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!