عقد اسما 1

=حماتي المستقبلية رمتلي في وشي عقد قدام الناس ليلة كتب الكتاب… في شروط معينه علشان تتمم الجوازه فقومت وقلعت الدبلة ورمتها في وشها..
الجزء الأول
المطعم كان دافي الليلة دي… لكن قبل ما العشا يخلص، كنت حاسة إن حياتي كلها اتجمدت.
حيطان الطوب القديمة كانت منورة بضوء أصفر هادي، والشموع الصغيرة بترعش جوه الكاسات الإزاز، والورد الأبيض متحط على كل ترابيزة، والمكان كله ريحته روزماري وزبدة وخبز طالع سخن من الفرن.
أمي كانت بتصور الورد وهي مبسوطة وتقول: “ده كأنه طالع من مجلة.”
أبويا كان بيضحك مع عمّ “كريم” على رحلة صيد، وصاحبتي “ريم” كانت تبصلي وتغمزلي كل شوية لما تلاحظ إني متوترة.كانت ليلة كتب كتابي.
تاني يوم كان المفروض أتجوز “كريم الدمنهوري” في فيلا كبيرة على طريق إسكندرية الصحراوي.
الفستان متعلّق في أوضتي..التورتة متحجزة.
الفرقة متفق معاها.وتذاكر شهر العسل في الجونة موجودة على إيميلي.لشهور كنت بقنع نفسي إن ده بداية الراحة.
وإن أول ما أبقى مرات كريم رسمي… كل التوتر مع أمه هيهدى.على الأقل…
دي كانت الكدبة اللي محتاجة أصدقها.
لأن لما بتحب حد…بتبقى شاطر جدًا في تبرير العلامات الغلط.
أم كريم، “سلوى الدمنهوري”، عمرها ما حبتني.
مش بشكل مباشر في الأول.
لأن الستات اللي زي سلوى ما يهينوش بصوت عالي… يهينوا بابتسامة ناعمة وبرفان غالي.
كانت تقول حاجات زي:
“جميل إنك بتشتغلي وتتعبي… بس لما تخلفي هتفهمي أولويات الست الحقيقية.”
أو:
“عيلتنا بتحافظ جدًا على الفلوس والأصول… بس أكيد هتفهمي ده مع الوقت.”
أو:
“كريم طيب زيادة، فلازم اللي معاه ما تستغلش طيبته.”
وكل مرة…
كان كريم يرد بنفس الجملة:
“ماتركزيش مع ماما يا ليلى… دي طريقتها بس. أنا معاكي.”
وكنت عايزة أصدق..بشدة.
الليلة دي، وسِط العشا، سلوى قامت من مكانها.
ما خبطتش على الكوباية علشان تلفت الانتباه.
ما ابتسمتش زي أم العريس وقالت كلمة حلوة.
بس قامت بهدوء، وفتحت شنطتها الجلد، وطلعت ملف سميك…
وبعدين مشيت ناحيتي بثقة الست اللي فاكرة إن أي أوضة ملكها…في الأول افتكرت خطاب.
أو جدول الفرح…
أو يمكن… بغبائي… حاجة عاطفية.
ابتسمت.
سلوى وقفت جنبي وحطت الملف جنب كاس العصير.
وقالت: “لازم توقعي ده قبل الفرح.”
الملف كان تقيل…يمكن ستين ورقة أو أكتر.
بمشبك فضي كبير.
أول حاجة عملتها إني بصيت لكريم.
كان فعلًا متفاجئ.
الشوكة لسه في إيده، ووشه متلخبط.
قال: “إيه ده يا ماما؟”
سلوى عدلت الملف كأنه جزء طبيعي من السفرة.
وقالت: “اتفاق قبل الجواز.”
الصمت نزل على المكان كله مرة واحدة.
كل الناس سكتت…سمعت صوت الشموع وهي بتفرقع بهدوء…وصوت شوكة خبطت في طبق.
وسمعت أمي وهي تاخد نفسها بالعافية.
أبويا اتجمد.
وصاحبتي ريم قعدت مستقيمة فجأة.
وأخويا “حسام” شد فكه بعنف لدرجة إن عضلات وشه ظهرت.
كريم حط الشوكة.
وقال: “إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا ماما. أنا وليلى مش هنمضي أي اتفاق.”
سلوى ابتسمتله بنفس الصبر اللي الناس بتستعمله مع الأطفال.
“إنت قررت كده علشان واقع في الحب ومش شايف بوضوح. يبقي حد لازم يحمي مصالحك.”
بصيت للدبلة في إيدي.
الألماسة كانت بتلمع تحت الشموع…
لكن فجأة ما بقتش ليها قيمه.
بقت شكل باهت.
كريم قال بصوت واطي: “مش وقته يا ماما.”
قالت: “ده أنسب وقت. الفرح بكرة. ولو هي بتحبك فعلًا، مش هيبقى عندها مشكلة تمضي عقد ”
فتحت الملف.
ريحة الورق والحبر كانت لسه جديدة.
الخط صغير…
بارد
ومليان شروط.
قريت أول صفحة.
وبعدين التانية.
وبعدين الصفحات المعلمة بالأصفر.
ومع كل سطر…
بطني كانت بتكركب أكتر.
العقد ماكانش منطقي.
كان إهانة مكتوبة.
بيقول إنه لو اتطلقنا، ماخدش أي حاجة مهما استمر الجواز.حتى لو خلفنا.
حتى لو هو خان.
حتى لو ضيعت عمري كله معاه..
وفي بند بيقول إن الأطفال يكونوا معاه هو “لأن عيلته عندها استقرار مادي أكبر.”
وفي بند يمنعني أشتغل في أي شركة منافسة لشركات عيلتهم.
وفي بند إن أي هدايا اتقدمتلي ممكن يطالبوا بيها بعد الانفصال.
لكن البند اللي خلاني أعيد القراءة مرتين كان:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
لكن البند اللي خلاني أعيد القراءة مرتين كان مكتوب بخط أعرض من باقي البنود…
“في حالة زيادة وزن الزوجة أكثر من ٨ كيلو بعد الزواج، يحق للزوج طلب فسخ الاتفاق حفاظًا على الصورة الاجتماعية للعائلة.”
في اللحظة دي حسيت إن دمي انسحب من وشي.
إيدي بردت.
وبقيت حرفيًا مش قادرة أحدد أنا متكسفة… ولا مصدومة… ولا مذلولة.
واحدة من قرايب كريم شهقت بصوت خافت: “إيه ده؟!”
لكن سلوى كانت قاعدة بمنتهى الثقة، شايفة إن اللي عملته طبيعي.
رفعت راسها وقالت: “إحنا عيلة معروفة. الصورة مهمة.”
بصيت لكريم بسرعة.
كنت مستنية منه يقوم يقطع الورق.
يقول لأمه إنها اتجننت.
لكن كل اللي عمله إنه قال بتوتر: “ماما… البند ده زيادة شوية.”
زيادة شوية.
الجملة نزلت على قلبي أبرد من المية.
مش “إهانة”.
مش “قرف”.
مش “مش هيحصل”.
زيادة شوية.
سلوى ابتسمت كأنها انتصرت وقالت: “كل الناس المحترمة بتعمل اتفاقات. دي مجرد احتياطات.”
أخويا حسام ضرب الترابيزة بإيده فجأة وقال: “احتياطات إيه؟! إنتوا داخلين جواز ولا صفقة بيع عربية؟”
الناس بدأت تبص لبعضها بتوتر.
وأمي كانت ساكتة… لكن عينيها مليانة وجع.
أما أنا…
فكنت لسه ماسكة الورق وبقلب الصفحات.
ولسه المصايب مخلصتش.
بند كامل عن “الالتزام الاجتماعي”.
بند يمنعني أتكلم للإعلام أو السوشيال ميديا عن أي خلاف عائلي.
بند يلزمني أحضر مناسبات عيلة الدمنهوري مهما كانت ظروفي.
وبند بيقول إن أي مشروع أعمله بعد الجواز يبقى من حق العيلة تراجع أرباحه لأنه “قد يستفيد من اسم الدمنهوري.”
رفعت عيني لسلوى ببطء وقلت: “إنتِ شايفاني داخلة أتجوز ابنك… ولا داخلة أشتغل عندكم؟”
سلوى ما اهتزتش.
قالت وهي ترتشف العصير: “الفرق إن الشغالة بتاخد مرتب.”
القاعة كلها سكتت.
ريم شهقت.
وأخويا قام من مكانه فعلًا.
لكن أبويا سبقه.
أبويا عمره ما كان عصبي.
راجل هادي طول حياته.
لكن لما قام الليلة دي…
حتى سلوى نفسها اتوترت.
قال بصوت منخفض جدًا: “إحنا هنمشي.”
كريم قام بسرعة: “يا جماعة استنوا… الموضوع كبر زيادة عن اللزوم.”
لفيتله ببطء.
“كبر؟”
بلعت ريقي بالعافية وكملت: “إنت شايف اللي حصل مجرد سوء تفاهم؟”
قرب مني وقال بصوت واطي: “ليلى… أرجوكي. إنتِ عارفة أمي.”
ضحكت.
ضحكة موجوعة خرجت مني غصب.
“أيوه… أخيرًا عرفتها.”
سلوى تدخلت فورًا: “يا كريم، لو البنت عندها كرامة زيادة عن اللزوم يبقى أحسن تكتشف ده قبل الجواز.”
حسام شتم بصوت عالي.
لكن أمي مسكت دراعه.
أنا بقيت حاسة إن المكان بيضيق.
الشموع.
الناس.
الأكل.
المزيكا الهادية.
كل حاجة بقت خانقة.
بصيت للدبلة في إيدي تاني.
فاكرة يوم ما لبسهالي.
فاكرة دموعه.
وإيده وهي بتترعش.
وفاكرة إني صدقت إن الراجل اللي قدامي اختارني أنا… مش النسخة اللي أمه عايزاها.
رفعت عيني لكريم وسألته آخر سؤال: “لو رفضت أمضي… هتتجوزني؟”
سكت.
بس ثانية.
ثانية واحدة.
لكن الثانية دي كشفت كل حاجة.
بص لأمه.
وأمه بصتله بثبات.
ولقيته بيقول: “ممكن نعدّل البنود بعدين…”
بعدين.
يعني وافق.
يعني الفكرة نفسها عادية بالنسباله.
يعني أمه لسه ليها الكلمة الأخيرة.
وفي اللحظة دي…
حسيت بحاجة جوايا ماتت تمامًا.
قلعت الدبلة.
ببطء.
لدرجة إن كل الناس كانت متابعة الحركة.
الدبلة كانت دافية من إيدي.
بصيتلها ثانيتين…
ثم رميتها على الملف قدام سلوى.
الصوت المعدني الصغير خلا المكان كله يتجمد.
وقلت بمنتهى الهدوء: “يبقى مفيش جوازة.”
سلوى اتسعت عينيها.
ثم ضحكت بسخرية: “بتهددي؟”
قلت: “لا. أنا بفوق.”
كريم قرب بسرعة: “ليلى… إنتِ متعصبة بس.”
بصيتله وأنا حاسة قلبي بيتفتت: “أنا كنت متعصبة زمان… لما كنت كل مرة أبلع إهانة من أمك وأقول معلش علشان بحبك.”
سكت.
كملت: “كنت متعصبة لما قالتلي الست المحترمة مكانها البيت وسكت علشانك. ولما كانت تقلل من شغلي وأسلوبي وأهلي وتسكتني بجملة دي طريقتها.”
حسيت دموعي قربت تنزل… لكني منعتها.
“بس الليلة دي فهمت حاجة مهمة يا كريم… الراجل اللي يحب واحدة بجد ما يسيبهاش تتحط في موقف زي ده.”
سلوى قالت بحدة: “إحنا ما أهنّاش حد. دي شروط عادية.”
لفيتلها فورًا.
وأول مرة أبص في عينها من غير خوف.
وقلت: “لو دي العادية عندكم… يبقى الحمد لله إني اكتشفت قبل ما أبقى واحدة منكم.”
وشها احمر من الغضب.
قالت: “إنتِ خسرانة أكبر فرصة في حياتك.”
ضحكت بمرارة: “الفرصة اللي تخليني أعيش طول عمري مهددة بورقة؟ دي مش فرصة… دي قفص.”
كريم حاول يمسك إيدي: “ليلى بالله عليكي… الناس كلها بتتفرج.”
سحبت إيدي فورًا.
“خليهم يتفرجوا.”
ثم قربت منه وهمست بصوت مكسور: “أنا كنت مستعدة أعيش معاك في شقة إيجار وأبدأ من الصفر… لكن ما كنتش مستعدة أعيش مع واحد لازم أمه توافق إذا كنت أستحق الاحترام ولا لا.”
الجملة ضربته.
شفتها في عينيه.
بس متأخر.
سلوى قامت بعصبية: “إنتِ درامية جدًا. ومش هتلاقي حد بمستوى كريم.”
أبويا رد أخيرًا: “وبنتي مش محتاجة حد يشتريها بمستوى.”
أمي قامت جنبي.
وريم لمّت شنطتي.
وحسام كان حرفيًا على وشك يضرب حد.
أما أنا…
فمشيت.
عديت الترابيزات وسط نظرات الناس.
في ناس متعاطفة.
وفي ناس مكسوفة.
وفي ناس مستمتعة بالفضيحة.
لكن لأول مرة من شهور…
كنت قادرة أتنفس.
طلعنا برا المطعم.
الهوا كان ساقع.
وأول ما الباب اتقفل ورانا…
انهرت.
عيطت بعنف.
مش علشان الجوازة اتلغت.
لكن علشان استوعبت إني كنت فعلًا هتجوز في بيت لازم أمضي فيه على حقي كإنسانة علشان أبقى مقبولة.
أمي حضنتني.
وقالت وهي بتمسح شعري: “الحمد لله إنها حصلت دلوقتي.”
حسام قال بغضب: “الناس دي مجانين.”
لكن ريم كانت باصة جوا المطعم من الإزاز.
وقالت بهدوء: “لا… الناس دي متعودة إن الفلوس تخليها تدوس على أي حد.”
في اللحظة دي…
باب المطعم اتفتح.
وكريم خرج يجري ورايا.
كان شكله متوتر لأول مرة.
قال: “ليلى استني… أرجوكي.”
بصيتله من وسط دموعي.
“إيه؟”
قال بسرعة: “أنا هحل الموضوع.”
“إزاي؟”
سكت.
عرفت الإجابة قبل ما يقولها.
مش هيعرف.
لأن المشكلة مش في العقد.
المشكلة في إنه اتربى طول عمره يشوف إن الحب لازم يمر من تحت رجل أمه.
قرب خطوة وقال: “إديني فرصة.”
قلت بهدوء: “أنا اديتك سنين.”
سكت.
وبعدين لأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
الخوف مش عليا.
الخوف من إنه يرجع يواجه أمه لوحده.
وهنا بس…
اتأكدت إني خدت القرار الصح.
ركبت العربية جنب أمي.
وقبل ما أقفل الباب، بصيتله آخر مرة.
وقلت: “أنا كنت داخلة أتجوز راجل… مش عيلة كاملة.”
ثم قفلت الباب.
وسبناه واقف تحت نور المطعم…
بين أمه اللي عمره ما قدر يوقفها…
والست الوحيدة اللي حبته بصدق… ومشت.
يتبع
