حكايات اسما السيد 1

ظل طارق واقفًا في الشارع، المطر ينهمر عليه بغزارة، والشركة، والمواعيد، والملايين التي يركض خلفها تبخرت كلها من عقله. لم يكن لديه سوى حقيقة واحدة تزلزل كيانه: “أنا أب.. وزينة ابنتي.”

لم يتحرك من مكانه، بل صعد خلفهما ببطء هائم، يتتبع صوت السعال الخفيف الذي يصدر من الطابق الثاني. وقف أمام باب الشقة المتواضع، واستمع إلى صوت نغم بالداخل وهي تحاول تهدئة الصغيرة وتعد لها كوبًا من الأعشاب الدافئة لتأخذ الدواء.

جلس طارق على درجات السلم المظلمة، وضع رأسه بين كفيه وبكى لأول مرة منذ ست سنوات. بكى رجولته التي تخلت عن حبه، وبكى طفلته التي كانت تموت مرضًا بينما هو يملك من المال ما يشتري به المشافي، وبكى تلك العيون الرمادية التي ورثتها زينة عن أمه الراحلة، وكأن القدر يرسل له إشارة عتاب سماوية.

مرت ساعتان، وهدأ المطر تمامًا، وحل سكون الليل.

انفتح باب الشقة ببطء، وكانت نغم تخرج وبيدها كيس قمامة صغير لتلقيه، لتتفاجأ به يجلس على السلم، بجاكيته المبتل وعيونه الحمراء النادمة.

تسمرت مكانها، وحاولت إغلاق الباب سريعًا، لكنه نهض برمشة عين ووضع يده يمنع الباب، وقال بنبرة مكسورة تمامًا، نبرة لم تعهدها في طارق الحربي الرجل القوي المتكبر: “متدخليش يا نغم.. أرجوكي، لو لسه في قلبك ذرة رحمة، اسمعيني.. أنا مش همشي من هنا، ومش هسيب بنتي، ولا هسيبك.”

نظرت إليه بعيون ملأها الخذلان وقالت: “زينة مش بنتك يا طارق.. زينة بنتي أنا.. أنا اللي سهرت، وأنا اللي جعت، وأنا اللي عشت الرعب في عيونها وهي بتموت من السخونية ومفيش في جيبي تمن الكشف. أنت كنت فين؟ كنت بتكبر شركتك؟ اخرج من حياتنا زي ما خرجت زمان.. إحنا مش عاوزين منك حاجة.”

طارق بنحيب مكتوم: “كنت غبي.. كنت أعمى وجبان.. العقاب اللي أنتِ عاوزاه أنا مستعد ليه، اطلبي روحي وهديهالك، بس متبعديش عني زينة.. ومتحرمينيش من نظرة عينيها.”

في تلك اللحظة، جاء صوت طفولي باهت من الداخل، صوت زينة وهي تنادي بصعوبة وسط سعالها: “ماما… أنا سقعانة أوي… والبيت ضلمة.”

التفتت نغم بلهفة نحو الداخل، وقبل أن تتحرك، كان طارق قد دفع الباب بخفة ودخل خلفها، ليرى الغرفة الصغيرة الباردة التي تخلو من أي وسائل تدفئة، ويرى ابنته تتألم فوق فراش متهالك. تلاقت عيناه بعيني زينة الرمادية، وفي تلك اللحظة، اتخذ طارق قرارًا لن يتراجع عنه لو كلفه الأمر حياته كلها.

 

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!