حماتى اسما السيد 3

ارتفعت صرخة سعاد الحديدي في أرجاء الفيلا كأنها إنذار حريق.

قفزت من مكانها.

وخَطفت العقد من يدي.

وبدأت تقلب الصفحات بعصبية.

مرة.

واثنتين.

وثلاثًا.

ثم رفعت رأسها نحوي.

وكانت نظرتها مليئة بالذهول.

لا بالغضب فقط.

بل بالذعر.

قالت بصوت مرتجف:

“مستحيل.”

أخذت العقد منها بهدوء.

وأعدته إلى الظرف.

ثم قلت:

“لا. واضح إنه حقيقي.”

شهقت.

ثم جلست على الأريكة وكأن الهواء خرج من رئتيها.

الحقيقة التي لم تكن تعرفها سعاد…

أنني لم أكن المرأة الساذجة التي ظنتها.

قبل ثلاث سنوات.

عندما بدأت ألاحظ اختفاء الأموال من حسابات الشركة.

واكتشفت لأول مرة بعض تجاوزات كريم.

ذهبت بهدوء إلى محامٍ متخصص.

راجعت كل أوراقي.

كل استثماراتي.

كل ما ورثته عن والدي.

وهناك كانت الصدمة.

نصف قيمة الفيلا دُفع من ميراثي الشخصي.

والنصف الآخر من أرباح مشروع كنت شريكة فيه.

بينما لم يساهم كريم إلا بجزء بسيط جدًا من ثمنها.

لكن لأنه كان يتولى الإدارة المالية للبيت…

ظل الجميع يعتقد أنها ملكه.

حتى هو نفسه.

أو ربما أقنع نفسه بذلك.

أما المحامي…

فقد أعاد ترتيب كل الأوراق القانونية بهدوء.

وحفظ حقي كاملاً.

دون أن يعلم أحد.

نظرت سعاد إليّ.

وقالت:

“يعني هتطردينا؟”

ضحكت.

كانت أول مرة أسمع منها كلمة “هتطردينا”.

بعد سنوات من معاملتي كأنني أنا الضيفة.

قلت:

“أنا لسه ما قررتش.”

ارتبكت أكثر.

وقالت:

“يا بنتي… إحنا أهل.”

أغمضت عيني للحظة.

ثم فتحتها.

“فاكرة الكلام ده دلوقتي؟”

انخفض رأسها.

لأول مرة.

مر أسبوع.

ثم أسبوعان.

ثم شهر كامل.

كريم ظل رهن التحقيق.

والأخبار بدأت تنتشر.

شركاء انسحبوا.

مشاريع توقفت.

وأشخاص كثيرون اكتشفوا أشياء لم يكونوا يعرفونها.

أما أنا…

فانتقلت إلى الجناح الرئيسي في الفيلا لأول مرة منذ أحد عشر عامًا.

الغرفة التي كانت سعاد تعتبرها “غرفة ابنها”.

بينما كانت تضعني أنا في غرفة جانبية صغيرة.

في أول ليلة هناك…

وقفت أمام المرآة.

ونظرت إلى نفسي.

ثم أدركت شيئًا غريبًا.

كنت أبدو أصغر.

أخف.

كأنني تخلصت من حمل ثقيل ظل فوق كتفي سنوات طويلة.

بعد شهرين…

صدر الحكم الأول.

لم يكن بالسجن الطويل كما توقع البعض.

لكن كانت هناك غرامات ضخمة.

ومنع من إدارة الشركات لفترة طويلة.

وخسائر مالية كبيرة.

خرج كريم من المحكمة رجلاً مختلفًا.

أكبر سنًا.

وأقل ثقة.

وأشد هزيمة.

وفي مساء شتوي هادئ…

فوجئت بجرس الباب.

فتحت الخادمة.

ثم جاءت لتخبرني:

“الأستاذ كريم بره.”

ساد الصمت.

طلبت منها أن تسمح له بالدخول.

دخل ببطء.

كان أضعف مما أتذكر.

جلس أمامي.

دون أن يتكلم.

لدقائق طويلة.

ثم قال:

“أنا خسرت كل حاجة.”

نظرت إليه بهدوء.

ولم أعلق.

أكمل:

“الشغل.”

“السمعة.”

“الناس.”

ثم ابتسم بمرارة.

“وأهم حاجة… خسرتك.”

لم أرد.

لأن بعض الكلمات تأتي متأخرة جدًا.

مهما كانت صادقة.

مد يده داخل جيبه.

وأخرج شيئًا صغيرًا.

وضعه فوق الطاولة.

كان خاتم زواجنا.

الخاتم الذي خلعته يوم اكتشفت كل شيء.

قال:

“أنا عارف إن مفيش رجوع.”

“وعارف إني ما استاهلش فرصة.”

“بس كنت محتاج أقول إني آسف.”

نظرت إلى الخاتم.

ثم إلى وجهه.

ورأيت لأول مرة الرجل الذي كان يمكن أن يكونه.

لو لم يسمح للغرور والطمع أن يبتلعاه.

وقف كريم استعدادًا للمغادرة.

لكنه توقف عند الباب.

ثم التفت نحوي.

وقال:

“في حاجة لازم تعرفيها.”

عقدت حاجبي.

فأكمل:

“أبوكِ قبل ما يموت… سابلك رسالة.”

تجمدت في مكاني.

“إيه؟”

أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.

بدا أصفر من الزمن.

ومختومًا منذ سنوات.

وقال:

“كان عندي.”

“وما سلمتهوش ليكي.”

شعرت بصدمة أكبر من أي شيء سمعته ذلك المساء.

رسالة من أبي.

أخفاها عني كل هذه السنوات.

وضعت يدي على الظرف.

بينما غادر كريم المنزل ببطء.

دون أن ينظر خلفه.

أما أنا…

فظللت أحدق في الرسالة.

وأشعر أن سرًا جديدًا على وشك أن يخرج إلى النور.

سر قد يغير كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه عن عائلتي.

يتبع…أغلقت باب الفيلا خلف كريم.

ثم عدت ببطء إلى الصالون.

والظرف القديم ما زال بين يدي.

لم أفتحه فورًا.

كنت أخاف.

لأنني تعلمت خلال الشهور الماضية أن بعض الأوراق قادرة على تدمير حياة كاملة.

جلست على الأريكة.

وأخذت أتأمل خط اليد المكتوب على الظرف.

تعرفت عليه فورًا.

خط أبي.

نفس الخط الذي كان يكتب به بطاقات العيد.

ورسائل التهنئة.

والأوراق الصغيرة التي كان يضعها لي داخل حقيبتي وأنا صغيرة.

بدأت يداي ترتجفان.

ثم فتحت الظرف أخيرًا.

وسحبت الرسالة.

“إلى ابنتي سلمى…

إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فمعنى ذلك أنني لم أعد موجودًا.

وأغلب الظن أن شخصًا ما أخفى عنكِ الحقيقة سنوات طويلة.

لهذا أكتب لك الآن.

سامحيني.”

توقفت.

شعرت بانقباض في صدري.

وأكملت القراءة.

“قبل ثلاثين عامًا شاركت في تأسيس شركة صغيرة مع أعز أصدقائي.

اسمه فؤاد المنصوري.

كنا نحلم أن نبني شيئًا كبيرًا.

لكن المرض هاجمه بسرعة.

وقبل وفاته بأشهر قليلة، طلب مني وعدًا.”

توقفت أنفاسي.

فؤاد المنصوري؟

والد ياسمين؟

أكملت القراءة بسرعة.

“طلب مني أن أحمي ابنته الوحيدة حتى لو لم تعرف يومًا أنني أفعل ذلك.

لأن أعداءه كانوا كثر.

وكان يخشى عليها.”

شعرت بالذهول.

لم أفهم.

لكن الكلمات التالية جعلت الدم يتجمد في عروقي.

“ياسمين المنصوري ليست مجرد ابنة صديق.

هي أختك.”

سقطت الرسالة من يدي.

وتناثرت الصفحات فوق الأرض.

لا.

مستحيل.

مستحيل مرة أخرى.

نهضت واقفة.

ثم جلست.

ثم وقفت ثانية.

كأن عقلي لم يعد يعرف كيف يتعامل مع الصدمات.

أختي؟

ياسمين؟

المرأة التي ظننت أنها عشيقة زوجي؟

المرأة التي جلست على طاولة العشاء نفسها؟

أكملت القراءة بصعوبة.

“والدتها توفيت أثناء الولادة.

وفؤاد كان مريضًا.

وبعد وفاته انتقلت الطفلة إلى الخارج مع أقاربها.

لكن الحقيقة القانونية التي لم يعرفها أحد أن والدتها كانت أختي.

وبذلك أصبحت ياسمين ابنة أختي.

وأنتِ أقرب شخص لها في هذه الدنيا.”

وضعت يدي على فمي.

شعرت وكأن الأرض تميد بي.

ثم قرأت السطر الأخير.

“لقد ترك فؤاد نصف ثروته أمانة باسمكما.

وعندما تبلغان السن المناسبة ستنتقل الملكية إليكما معًا.”

رن هاتفي فجأة.

انتفضت من مكاني.

نظرت إلى الشاشة.

وكان الاسم الذي ظهر عليها كافيًا لزيادة ارتباكي.

ياسمين المنصوري.

رددت بعد تردد.

سمعت صوتها.

وكان مرتبكًا بشكل غير معتاد.

قالت:

“سلمى… لازم أشوفك فورًا.”

سألت:

“ليه؟”

ساد صمت قصير.

ثم قالت:

“لأن في حد حاول يق*تلني النهارده.”

تجمد الدم في عروقي.

وقفت من مكاني.

“إيه؟!”

أجابت بسرعة:

“أنا في المستشفى دلوقتي.”

“والشرطة موجودة.”

“وفي حاجة لقوها في عربية الشخص اللي هرب.”

سألت بصوت مرتجف:

“إيه هي؟”

قالت:

“صورتك.”

في تلك اللحظة فقط…

أدركت أن قصة كريم والخيانة والفيلا لم تكن إلا البداية.

وأن السر الذي أخفاه والدي سنوات طويلة…

أعاد فتح باب قديم جدًا.

باب مليء بالمال.

والنفوذ.

والعداوات.

والأشخاص المستعدين للق*تل.

وأنا وياسمين…

أصبحنا فجأة في قلب كل ذلك.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!