بنت الناس حكايات امانى السيد 3

طاهر دخل الحمام، فتح الحنفية على آخرها ونزل بوشه في المية الساقعة، كان بيحاول يطفي النار اللي بتاكل في نفوخه. المية كانت بتنزل وهو بيفتكر كلامها.. “حطيت نفسك في خانة الكداب”. الكلمة دي كانت بتلف في دماغه زي الساقية. مريم قفلت عليه كل السكك، حتى سكة الشكوى اللي كان عايش عليها وعامل بيها راجل برة البيت، اتسدت.
خرج وهو بينشف وشه، وبص لسرير ابنه علي اللي نايم في غطاه، وبص لمريم اللي كانت بتلم الأطباق بهدوء وثقة تخوف. لقى نفسه بيقول بصوت مخنوق من الوجع والغل: “أنتي مابقتيش بني آدمة يا مريم.. أنتي بقيتي حجر. مفيش في قلبك حنية لراجل عاش معاكي خمس سنين؟”
مريم لفت وشها، حطت الصينية على التربيزة، وبصتله وعينها لأول مرة تدمع، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر قديم تصفى حساباته.
قالتله بصوت واطي وموجوع: “والخمس سنين دول كنت فين أنت من الحنية يا طاهر؟ لما كنت ببات عياط وأنت نايم بتشخر جنبي؟ لما كنت بتشوف أهلك بيلقحوا عليا الكلام وتضحك وتزيد عليهم؟ لما خليت أبويا الراجل العجوز يبصلي بنظرة عار وهو مش مصدق إن بنته تمد إيدها على مال مش بتاعها؟ أنت اللي موت الحنية بإيدك يا ابن علوان.. يوم ما قررت تبيع لحمي عشان تشتري بيه هيبة كدابة وسط الناس.”
مسحت دمعتها بسرعة قبل ما تنزل على خدها، وكملت: “أنا مابقتش حجر.. أنا بقيت الوش اللي أنت صنعته.. فـ ارضى بـ صنع إيدك.”
الشهور عدت، والمنيا كلها بقت تتناقل سيرة “بيت طاهر وعمرانه”.
الحاجة توحيدة أمه لما لقت ابنها مبقاش يجي يشكي، ولما لقت مريم بتدخل الدوار وراسها في السماء، وإخوات طاهر بيعملوا لها ألف حساب، بدأت تنسحب بالتدريج. الستات في البلد بقوا يقولوا: “مريم بنت مرزوق طلعت أصيلة، وطاهر مبيقدرش يستغنى عنها، ده كان غضبان يومين والشيطان عمى عينه ورجع لعقله.”
أما طاهر، فـ حاله اتقلب.
المركب اللي مريم قالت عليها بقت ماشية، بس طاهر كان حاسس إنه “راكب قطار” وموش يد في الدريكسيون. في المحل، بقا يشتغل وعينه في الأرض، مبقاش يقعد على القهوة كتير يتباهى ويحكي، بقا يخلص شغله ويرجع البيت وهو شايل شيلته في سكات.
وفي يوم، طاهر رجع البيت العصر، لقى مريم مجهزة السفرة، وكان قاعد معاها أبوها عم مرزوق.
الراجل العجوز أول ما شاف طاهر، وش الصبح ضحك، وقام وقف وقاله: “أهلاً يا ولدي.. خطوة عزيزة، أنا قولت أجي أطمن على علي وعلى مريم، وأجيب معايا شوية خضار من الغيط.”
طاهر بص لعم مرزوق، وافتكر اليوم اللي داس فيه على كرامة الراجل ده، وبص لمريم اللي كانت بتغرف الرز بابتسامة صافية لـ أبوها.
حس بحاجة غريبة بتتحرك في صدره.. لأول مرة مكنش غل ولا خوف، كان “خجل”. خجل من الراجل الطيب اللي مسامح ومبسوط، وخجل من مريم اللي بالرغم من كل اللي عملته، كانت حريصة إن أبوها ميعرفش الحقيقة اللي تكسر قلبه، وتفضل صورته قدام حماه إنه الراجل اللي رجع للحق.
قعد طاهر على السفرة، وبص لعم مرزوق وقال بنبرة هادية ولأول مرة تطلع من قلبه: “تنور يا عمي.. البيت بيتك، وخيرك سابق دايماً.”
مريم رفعت عينها وبصت لطاهر.. النظرة ليلتها كانت مختلفة. مكنتش نظرة التحدي الباردة، كانت نظرة فاحصة، كأنها بتبص لـ حتة أرض كانت بور وبدأت تطلع زرع من جديد.
بعد ما عم مرزوق مشى، والبيت هدي.
طاهر كان قاعد في البلكونة بيشرب الشاي وباصص لـ قمر الليالي العربية. مريم دخلت عليه، حطت كوباية مية جنبه، وكانت رايحة تدخل.
طاهر نده عليها بصوت هادي: “مريم..”
وقفت عند الباب من غير ما تلتفت: “نعم يا طاهر؟”
طاهر سكت لثواني، كأن الكلمة تقيلة على لسانه، بس كان لازم تطلع عشان يفك القفص اللي هو حبس نفسه فيه: “أنا.. أنا متشكر.”
مريم لفت وشها وبصتله باستغراب: “على إيه؟”
طاهر بص للأرض وقال: “عشان محدش عرف بموضوع الدفتر الفاضي.. وعشان أبوكي نام وهو راضي عني.. وعشان.. عشان لسه باقية على البيت ده بالرغم من كل اللي عملته.”
مريم وقفت وبصت للنيل البعيد من البلكونة، خدت نفس طويل وقالت: “البيوت مش ورق يا طاهر بنكتب فيه اللي احنا عايزينه ونقطعه لما نزهق.. البيوت لحم ودم وأسرار. أنا مكنتش عايزة أهدك.. أنا كنت عايزة أهد (الكدب) اللي فيك، عشان نعيش صح.. لو لسه فاضل فيك حتة سليمة، شيلها لـ ابنك ولـ بيتك، واليوم اللي فات.. مات.”
سابت البلكونة ودخلت، بس المرة دي، مرزعتش الباب. سابته موارب.. زي الباب اللي سابه مصطفى لـ عايدة في جامع العزايزة.. باب بيعدي منه النور بعد عتمة طويلة، وطاهر قعد يشرب شاي وهو حاسس إن الحمل اللي على كتافه بدأ يخف، وإن مريم، بالرغم من كل الوجع، كانت هي السند الحقيقي اللي حماه من نفسه.
طاهر فضل باصص للباب الموارب، وكأن النور اللي طالع منه بيغسل وساخة السنين اللي عاشها في الكدب والنقص. حس لأول مرة من يوم ما اتجوزوا إنه قادر يتنفس بجد، من غير ما يحضر كدبة جديدة، ومن غير ما يشيل هم “الوش” اللي هيقابل بيه الناس الصبح.
الدفتر الفاضي اللي كان خانقه، اتقلب في نظره لصفحة جديدة، بيضا، مفيش فيها سيرة قديمة ولا غل.
المركب مشيت، والمرة دي مش بالخوف، لكن بـ “السكوت اللي وراه رضا”.
في سوق الجمعة، طاهر كان واقف وسط تجار القماش الكبار، ومحمود أخوه كان قاعد بيمشي حسابات الدكان. دخل عليهم واحد من قرايبهم من بعيد، وبخبث الصعايدة رمى كلمة: “إيه يا أبا علي؟ سمعنا إن الهانم بقت هي الكل في الكل في البيت، والشور شورتها.. عاد طاهر علوان كلمته تنزل الأرض؟”
محمود أخوه رفع عينه ومستني يشوف طاهر هيثور ويقلب الدنيا زي زمان عشان يثبت رجولته، لكن طاهر ابتسم ابتسامة هادية، أخد نفس طويل وقال بمنتهى الرزانة: “الست الأصيلة يا ولد عمي، اللي تصون غيبتك وتلم بيتك وتستحمل طبعك الحامي، الشور شورتها والراس راسها. ومريم بنت مرزوق شالتني في وقت أنا نفسي كنت بايع فيه نفسي.. فاللي يقول كلمتها تنزل الأرض، يبقى ميعرفش الأصول.”
محمود بصل أخوه بذهول، بس المرة دي مكنش ذهول قرف، كان احترام. طبطب على كتف طاهر وقال بصوت واطي: “عفارم عليك يا ابن أبويا.. كبرت في عيني الليلة.”
لما رجع البيت المغرب، كان شايل في إيده ربطة نعناع أخضر وفطير مشلتت من اللي مريم بتحبه. دخل، لقى البيت هادي، وريحة البخور مغطية المكان. علي الصغير كان نايم، ومريم قاعدة في الصالة، بتخيط زرار مقطوع في جلابية من جلابيبه.
طاهر حط الحاجه على التربيزة، وقعد على الكنبة القريبة منها. بص لإيدها وهي بتتحرك بالإبرة، وقال بصوت حنين، صوت مسمعتهوش مريم منه من يوم دخلتها: “تعبتي نفسك ليه يا مريم؟ كنتي سبيها وأنا أوديها للترزي الصبح.”
مريم رفعت عينها، وبصت للجلابية، وبعدين حطت عينها في عينه. النظرة ليلتها مكنش فيها حذر، ولا كان فيها برود.. كانت نظرة الست اللي لقت جوزها أخيراً راجع بيته بكامل إرادته.
قالت وهي بتبتسم نص ابتسامة هادية: “الترزي ميعرفش قفلتك يا طاهر.. الخيط ده أنا اللي بايدي بلم بيه اللي اتقطع.. في الهدوم، وفي العمر.”
طاهر قدم خطوة، ومد إيده ومسك طرف الجلابية اللي في حجرها، وقال وعينيه بتلمع: “واللي اتقطع في العمر.. يتصلح يا بنت مرزوق؟”
مريم قطعت الخيط بسنانها، فردت الجلابية، وحطتها في إيده وقالت بصوت ثابت ودافي: “طالما النية طاهرة، والبيت مقفول علينا، ومحدش ليه كلمة جوه العتبة دي.. يتصلح.. ويزيد عليه كمان.”
طاهر أخد الجلابية، وحس إن الروح ردت فيه.
في الليلة دي، المنيا نامت وهي بتتكلم عن “طاهر علوان” وعن هيبته وسط السوق، بس جوه البيت المقفول، طاهر كان عارف إن الهيبة الحقيقية مش في الصوت العالي ولا في كسر الستات.. الهيبة الحقيقية إنك تلاقي الست اللي تقفل عليك سرك، وتحميك من نفسك، وتعيش معاها راجل بالأصول.. مش بالورق.
البيت مبقاش مجرد حيطان وسقف، بقى عامل زي الأرض اللي شربت ميتها بعد جفاف طويل. طاهر لقى نفسه بيتغير من غير ما يحس؛ الخبث اللي كان مالي عينيه اتبدل بنظرة هادية، والغل اللي كان بياكله من جوة اتقلب لـ رغبة حقيقية إنه يعوض مريم عن كل ليلة نامت فيها ودموعها على خدها.
مرت سنة كاملة. سنة مريم مخرجتش فيها كلمة واحدة برة العتبة، ولا طاهر سمح لمخلوق يلقح بكلمة. مريم حملت، والبيت كله بقى عايش على أمل العيل الجديد اللي هيجي يربط القلوب أكتر وأكتر.
في ليلة شتوية، المطرة كانت مغرقة الشوارع، وصوت الرعد بيزلزل الشبابيك. مريم جاليها الوجع. طاهر اتجنن، بقا يجري في الشقة مش عارف يعمل إيه، نزل في المطر وجاب الداية والحاجة توحيدة أمه، وفضل واقف ورا الباب، إيديه على قلبه، بيدعي ربنا يسترها ويقوم مراته بالسلامة.
جوه الأوضة، الحاجة توحيدة كانت قاعدة جنب مريم، بتمسح على رأسها وتدعي لها. وفي وسط الوجع، مريم مسكت إيد الحاجة توحيدة وقالت بنبرة طالعة من قلبها: “سامحيني يا أماه لو كنت في يوم زعلتك.. أنا ماليش غيركم، وطاهر ده أبو ابني وسندي.”
الحاجة توحيدة دمعت، والشك القديم كله داب في اللحظة دي. بياض قلب مريم وصبرها غسلوا كل السم اللي طاهر بخه زمان. طبطبت عليها وقالت: “مسامحاكي يا بنتي، أنتي ست الأصايل، وربنا يعلم إن غلاوتك بقت من غلاوة ولدي.”
وبعد ساعات من القلق، صرخة صغيرة شقت هدوء الليل. الواد شرف الدنيا.
الداية خرجت وفي إيدها الواد ملفوف في شال أبيض. طاهر خده منها، وجسمه كله بيرتعش. بص لوش ابنه، وبعدين دخل الأوضة جري. قعد على ركبه جنب السرير، وحط الواد في حضن مريم.
طاهر دمعته نزلت، وباس رأس مريم وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “مبروك يا أم علي.. يتربى في عزك يا ست الستات.”
مريم ابتسمت بتعب، وبصت لطاهر وقالت: “هنسميه إيه يا أبو علي؟”
طاهر بص لابنه، وبعدين بص في عين مريم وقال بنبرة مليانة يقين: “هنسميه (مرزوق).. على اسم الراجل الطيب اللي خلف وعرف يربي.”
مريم عينها لمعت بالفرحة، وحست إن رد الاعتبار لـ أبوها في اللحظة دي كان أكبر مكافأة ليها على كل اللي استحملته.
### النهاية
بعد أسبوع، الدوار كان مليان على آخره في عقيقة “مرزوق الصغير”.
البلد كلها كانت موجودة؛ تجار الدهب، والأكابر، وعم مرزوق قاعد في صدر المكان، ولابس جلابية جديدة طاهر اللي جايبها له بنفسه، والضحكة مش سايعاه.
الحاجة توحيدة كانت واقفة وسط الحريم، ولابسة كـردانها الدهب، وبتوزع الشربات وبتقول بأعلى صوتها: “صلوا على النبي.. مرزوق الصغير نور عيلتنا، وأمه مريم دي ست الحُسن والأصل كله، ربنا يخليها لبيتها ولجوزها.”
طاهر كان واقف وسط الرجالة، بيوزع اللحم ومبسوط. وفي وسط الزحمة والزيّطة، عينه جت في عين مريم اللي كانت واقفة عند باب الحريم الكبـير، شايلا ابنها، ورافع راسها، والكل بيتحايل يخدمها.
طاهر ابتسم لها من بعيد، وهز رأسه كأنه بيقولها: “أهو.. لميت السم كله بإيدي.”
مريم ردت له الابتسامة بصفاء.. الابتسامة اللي قفلت صفحة الماضي ورمتها في النسيان.
البيوت مش ورق بنشخبط فيه ونرميه.. البيوت أصول، وأمان، وسر مبيطلعش برة العتبة. وطاهر ومريم قفلوا بابهم على سرهم، وعاشوا عمرهم كله والبلد بتتحاكى بـ “أصل مريم” و”رجولية طاهر”.. والسر فضّل دفيان جوة الدفتر الفاضي اللي بنوا بيه بيت ميهدهوش الريح.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!