مع سقوط آخر حبة تراب3

وقعت من طولى على الكنبة، والتليفون اتهز في إيدي وصوت أحمد لسه طالع منه زي فحيح الأفاعي المرعوبة:

ـ “رفعت! رد عليا يا رفعت! بقولك أبويا قاعد على الكرسي ومبتسم لنا.. مصطفى أغمى عليه من الرعب.. الحقنا!”

قفل الخط فجأة.

بصيت للدكتور نبيل وأنا شفايفي بتترعش مش قادرة أنطق. نبيل وشه بقى أبيض زي القماش، وعيونه مبرقة في الفراغ:

ـ “مش ممكن.. أنا دافنه بإيدي.. أنا غسلته وكفنته ونزلت معاه التربة يا روايح! اللي أحمد شافه ده مستحيل يكون محمود!”

ـ “أمال مين اللي قاعد في المكتب يا نبيل؟!”

صرخت فيه بهستيريا وأنا بلم الشنطة والطبنجة من على التربيزة:

ـ “أنا لازم أروح المعادي.. لازم أشوف بعيني.”

نبيل مسكني من دراعي بقوة:

ـ “تروحي فين؟ أنتِ مجنونة؟ الفيلا هناك فخ، حتى لو ولادك مرعوبين، المحامي رفعت والشرطة اللي معاهم زمانهم قالبين الدنيا عليكي.. استني هنا وأنا هكلم جهة سيادية زميل ليا نتحرك بقوة.”

ـ “مش هستنى!”

زقيت إيده وخرجت من باب الشقة زي المجنونة. نزلت السلم جري، والرعب مابقاش مخليني أحس بتعب جسمي ولا سني. ركبت أول تاكسي قابلني على كورنيش جاردن سيتي وقولتله: “المعادي.. بأقصى سرعة يا ابني.”

طول الطريق، وعقلي بيطحن في الأفكار. لو نبيل صادق ومحمود مات، يبقى مين اللي في الفيلا؟ هل أحمد ومصطفى بيعملوا تمثيلية جديدة عشان يجرجروني لهناك؟ بس نبرة الرعب في صوت أحمد مكنتش تمثيل.. ده كان صوت واحد شاف الموت بعينيه.

وصلت المعادي بعد نص الليل. الشوارع كانت هادية تماماً والفيلا من بعيد كانت أنوارها كلها منورة.. الأنوار اللي كانت خافتة ومقبضة، دلوقتي قايدة بشكل مرعب.

نزلت من التاكسي قبل الفيلا بمشوار، ومشيت في الضلمة لحد ما وصلت لباب الخدمة الوراني اللي هربت منه. الباب كان لسه موارب وزجاج الشباك المكسور متطوح على الأرض.

دخلت المطبخ بخطوات نملة. ريحة الكيماويات الممررة بتاعة الأمبول الفاضي كانت لسه في الجو، بس انضم ليها ريحة تانية.. ريحة بخور عود تقيل، الريحة اللي محمود كان دايماً بيحب يشغلها وهو بيكتب أوراق الشركات.

سحبت الطبنجة وأمّنتها زي ما شوفت محمود بيعمل زمان. طلعت السلم الداخلي ببطء، وكل خطوة كانت بركبة بتخبط في التانية.

وصلت للدور التاني.. باب المكتب كان مفتوح على آخره، والضوء الأصفر طالع منه مغرق الممر.

وقفت ورا الحيطة، وربت عيني وبصيت جوه المكتب.

المنظر خلّى الدم يتجمد في عروقي.

مصطفى ابني كان مرمي على الأرض، مغمى عليه ووشه أصفر زي الليمونة. وأحمد كان راكع على ركبه في الزاوية، حاطط إيده على رسه وبيعيط بهستيريا وبيبص ناحية الكرسي الخشبي الهزاز الكبير.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!