ارملة ابنى حكايات اسما السيد 5

وقفت في نص الشارع تحت المطر وأنا ببص لابني كأني شايفة ميت رجع من قبره.
كل حاجة حواليا اختفت.
صوت العربيات.
صوت المطر.
صوت الناس.
حتى نفسي نفسه اختفى.
ما بقيش غير أحمد.
ابني اللي دفنته بإيديا.
ابني اللي عيطت عليه تمن شهور كل ليلة.
ابني اللي كنت بروح قبره كل جمعة وأقعد أكلمه كأنه سامعني.
واقف قدامي حي.
لكن وشه ماكانش وش أحمد اللي أعرفه.
كان مرهق.
ضعيف.
وعينيه مليانة خوف قديم عميق.
خوف واحد عاش شهور بيهرب.
دموعي نزلت بغزارة وأنا بمشي ناحيته بالعافية.
لكن فجأة… رنا ضمت الطفل أكتر لصدرها وصرخت: — محدش يقرب!
ليلى رفعت مس*دسها أكتر. — حطي الطفل يا رنا!
أحمد اتحرك بسرعة ناحية رنا. — اهدي… بالله عليكي اهدي.
لكن رنا كانت بتضحك.
ضحكة غريبة مرعبة.
وقالت وهي باصة لأحمد: — شايف؟ رجعتلهم برضه.
أحمد بص لها بحزن. — كفاية يا رنا… انتهى.
لكنها هزت راسها بعنف. — لأ! ما انتهتش! إنت وعدتني!
صرخت ريم بانهيار: — أحمد عمره ما وعدك بحاجة!
رنا بصتلها بنظرة كلها كراهية. — طول عمرك سرقاني يا ريم… كل حاجة كانت بتروحلك إنتِ.
المطر كان بينزل بغزارة دلوقتي، والطفل بدأ يعيط للمرة الأولى.
الصوت شق قلبي.
رضيع صغير وسط كل الجنون ده.
ليلى قالت بهدوء حذر: — الطفل هيبرد… سيبيه يا رنا.
لكن رنا حضنته أكتر وهي بترتعش. — ده ابني… محدش هياخده مني.
أحمد قرب خطوة. — وأنا مش هاخده منك.
بصتله بسرعة.
ولأول مرة… شوفت الضعف في عينيها.
همست: — بجد؟
أحمد صوته اتكسر. — بجد.
قلبي اتقبض.
في اللحظة دي فهمت الحقيقة كاملة.
ابني ماكانش هربان من الشرطة.
كان هربان من كارثة.
هربان من ست مريضة نفسيًا ومهووسة بيه.
هربان وهو بيحاول يحمي الكل.
لكن المشكلة إن هروبه دمرنا كلنا.
ريم كانت بتعيط بشكل هستيري. — ليه يا أحمد؟ ليه سبتني فاكرة إنك ميت؟!
أحمد بص لها بوجع حقيقي. — لأنهم قالولي إن رنا لو اتحجزت هتنتحر… وأنا كنت خايف عليكم منها.
صرخت فيه: — وخفت علينا أكتر وإحنا فاكرينك ميت؟!
عينيه اتمَلوا دموع. — كل يوم كنت بموت يا أمي… كل يوم.
سكتنا كلنا.
حتى رنا بطلت تضحك.
بصت لأحمد وهمست: — كنت بتيجي تشوفني.
ريم شهقت بصدمة وبصت لأحمد.
أما هو… فنزل عينيه للأرض.
قلبي اتقبض تاني. — يعني إيه؟
أحمد بلع ريقه. — كنت بروح أطمن عليها وعلى الطفل من بعيد.
ريم صرخت: — بعد كل اللي عملته؟!
قال بانهيار: — لأنه ابني يا ريم!
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل بشكل خانق.
أنا حسيت رجلي بتضعف.
الطفل فعلًا حفيدي.
ابن أحمد.
وابن رنا.
يا ساتر يا رب.
بصيت للرضيع الصغير اللي بيعيط في حضن أمه، وحسيت الدنيا كلها بتتلخبط جوايا.
طفل جه للحياة من مرض وخوف وكدب ومطاردة.
لكن ماله ذنب.
مالوش أي ذنب.
ليلى نزلت المسدس ببطء. — يا أحمد… لازم تنهي ده دلوقتي.
أحمد بص لرنا بحزن عميق. — تعالي نسلم نفسنا ونبدأ علاج.
لكن رنا ابتسمت ابتسامة مكسورة. — علاج؟ بعد ما بقيتوا كلكوا ضدي؟
قرب أكتر. — أنا مش ضدك.
صرخت فجأة: — كداب! لو كنت بتحبني ماكنتش رجعتلها!
ريم بصتلها بذهول ودموع. — إنتِ أختي يا رنا…
رنا لفتلها ببطء.
ولأول مرة… شوفت قد إيه الوجع اللي جواها قديم.
قالت بصوت مرتعش: — طول عمرنا كانوا بيبصوا ليا كأني النسخة الغلط منك.
دموعي نزلت بدون ما أحس.
لأن حتى الشر أحيانًا بيبدأ من جرح قديم.
رنا كملت وهي بتبكي: — ماما كانت تحضنك إنتِ الأول… الناس كانت تحبك إنتِ الأول… حتى أحمد… أول ما شافك ما بقاش شايفني.
ريم انهارت. — أنا ما أخدتش منك حاجة!
ضحكت رنا بمرارة. — إنتِ أخدتي كل حاجة من غير حتى ما تحاولي.
الطفل كان بيعيط بقوة دلوقتي، ورنا بدأت تهزه بعصبية وهي منهارة.
أحمد قرب بسرعة. — هاتيه يا رنا… الطفل خايف.
لكنها بعدت. — لأ! هو ليا أنا!
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت فرامل عربية جاية بسرعة.
كلنا لفينا.
عربية نقل كبيرة فقدت السيطرة بسبب المطر وكانت داخلة ناحيتنا مباشرة.
صرخت ليلى: — ابعدوا!
كل حاجة حصلت في ثواني.
ريم جريت.
أنا اتجمدت مكاني.
ليلى شدتني بعيد.
لكن رنا…
فضلت واقفة مكانها وهي حاضنة الطفل.
وأحمد جرى ناحيتها بأقصى سرعة.
صرخت باسمه: — أحمد!
لحقها قبل العربية بثانية واحدة.
خطف الطفل من حضنها وزقه ناحية ليلى…
لكن هو ورنا اتخبطوا بالعربية بقوة مرعبة.
الصوت شق الدنيا.
وقعت على الأرض وأنا بصرخ.
الناس جريت.
العساكر جريوا.
المطر نازل بغزارة فوق الدم اللي بدأ ينتشر على الأسفلت.
قلبي كان بيتقطع.
شفت أحمد واقع على الأرض بيتحرك بالعافية.
أما رنا…
فكانت ساكنة.
تمامًا.
صرخت وأنا بجري ناحية ابني.
حضنت وشه بإيديا وأنا بعيط: — لا يا حبيبي… لا…
أحمد كان بيتنفس بصعوبة.
لكن أول حاجة عملها…
إنه بص ناحية الطفل.
ليلى كانت شايلة الرضيع وبتغطيه بمعطفها.
ولما شافه حي…
ابتسم.
ابتسامة صغيرة متعبة.
وقال بالعافية: — عايش…
دموعي نزلت أكتر. — إنت كمان هتعيش… سامعني؟
لكن عينيه كانت بتقفل بالعافية.
ريم ركعت جنبنا وهي بتصرخ باسمه.
وأحمد بص لها.
بص طويل كأنه بيعتذر عن عمر كامل.
وقال: — آسف…
ريم هزت راسها بعنف. — متقولش كده… متسبنيش تاني.
ابتسم بحزن.
وبعدين بصلي أنا.
ولأول مرة من زمان… رجع ابني الصغير.
مش الراجل المكسور اللي قدامي.
ولا الهربان.
رجع أحمد ابني.
همس: — تعبتك معايا يا أمي.
شهقت بعياط. — اسكت… بالله عليك اسكت.
لكن إيده طلعت بالعافية ولمست خدي.
وقال: — خلي بالك من ابني.
وفي اللحظة دي… الأجهزة في عربية الإسعاف وصلت.
المسعفين أخدوه بسرعة.
وأخدوا رنا كمان.
أنا وريم ركبنا وراهم، والطفل في حضني للمرة التانية.
بس المرة دي… عرفت إنه حفيدي فعلًا.
طول الطريق وأنا ببصله.
نفس عينين أحمد.
نفس التجعيدة الصغيرة جنب فمه.
يا وجع قلبي.
وصلنا المستشفى وسط فوضى وصراخ.
دخلوا أحمد العمليات فورًا.
أما رنا…
فالدكتور خرج بعد دقائق وقال إنها ماتت.
ريم انهارت تمامًا.
رغم كل حاجة… دي كانت أختها.
توأمها.
جزء منها.
حضنتها وهي بتعيط في حضني كأنها طفلة صغيرة.
ولأول مرة… ماحستش إنها مرات ابني اللي كنت بلومها.
حسيتها بنت مكسورة.
بس.
عدت ساعات طويلة واحنا قاعدين قدام العمليات.
والطفل نايم في حضني بهدوء غريب.
كأنه أخيرًا حاسس بالأمان.
ليلى كانت واقفة بعيد بتتكلم في التليفون، وبعدين قربت مننا.
قالت بهدوء: — كل حاجة اتقفلت رسميًا.
بصتلها بتعب. — يعني؟
— تقرير الطب الشرعي أكد إن الج*ثة القديمة ماكانتش أحمد… كانت لرجل مجهول سرق عربيته بعد الحادثة. أحمد هرب وقتها بعد ما خاف من تهديدات رنا.
غمضت عيني بألم.
تمان شهور من العذاب… بسبب الخوف.
ليلى كملت: — وأحمد كان بيبعت رسائل غير مباشرة يطمن بيها ريم من غير ما يكشف مكانه.
ريم انفجرت في العياط. — وأنا كنت فاكرة إنه مات وهو بيكرهني…
قربت منها وربت على إيدها.
لأن الحقيقة أحيانًا بتبقى أقسى من الكدب.
بعد حوالي أربع ساعات… باب العمليات اتفتح.
الدكتور خرج.
كلنا وقفنا.
قلبي كان هيقف.
لكن الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: — الحمد لله… عاش.
وقعت على الكرسي من كتر البكاء.
ريم سجدت على الأرض وهي بتصرخ بالحمد.
أما أنا… فحضنت حفيدي بقوة وأنا ببكي.
لأن ربنا رجعلي ابني من الموت مرتين.
مرت الأيام بعد كده ببطء.
أحمد فضل في المستشفى أسابيع.
وكان بيتعالج نفسي قبل الجسدي.
لأن الإنسان مش بيهرب الشهور دي كلها من غير ما يتكسر.
أما الطفل…
فبقينا نسميه “آدم”.
اسم اختاره أحمد بنفسه.
وقال: — يمكن يبقى بداية جديدة لكلنا.
الغريب إن ريم ما سابتش آدم لحظة.
مع إنه ابن أختها وجوزها.
لكنها حبته بشكل صادق.
يمكن لأنها كانت شايفة فيه آخر جزء باقي من رنا.
وأنا…
أنا كمان حبيته.
بقيت أصحى على صوته بدل صمت البيت.
رجعت ريحة اللبن والدفا والأغاني القديمة.
رجعت الحياة لبيت كان ميت.
وفي يوم بعد شهور، كنت قاعدة في الجنينة وآدم بيلعب قدامي، وأحمد قاعد على الكرسي جنبي.
كان لسه أضعف من الأول، لكن عينيه رجعت فيها الحياة.
بصلي فجأة وقال: — عمرك هتسامحيني؟
بصيتله طويل.
افتكرت كل ليلة عيطت فيها عليه.
كل مرة حضنت قبره.
كل مرة حسيت إني لوحدي.
لكن افتكرت كمان إنه كان خايف.
ومكسور.
وإنه حاول بطريقته الغلط يحمينا.
تنهدت وقلت: — الأم عمرها ما بتبطل تسامح يا أحمد… حتى وهي موجوعة.
عيط بصمت.
ولأول مرة من سنين… حضنته.
في اللحظة دي، آدم جري ناحيتنا وهو بيضحك.
شاله أحمد بحذر، والطفل مسك دقنه الصغيرة وضحك.
ضحكة صافية.
بريئة.
ضحكة طفل مالوش ذنب في أي حاجة حصلت.
بصيت للسما ودموعي نزلت بهدوء.
وفهمت أخيرًا إن أوقات ربنا بينقذ الأرواح بطرق تخوفنا الأول.
شنطة مرمية في الترعة… كانت بداية الكابوس.
لكنها كمان كانت السبب إن الحقيقة تطلع للنور.
وإن طفل صغير… ينقذ عيلة كاملة من الضياع.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!