من رمضان حكايات رومانى مكرم 2

لم أستطع النوم في تلك الليلة، كانت الكلمات تطاردني، وصوت أم سارة الحاد يرن في أذني كأنه جرس إنذار. نظرتُ إلى الساعة، كانت تشير إلى الثالثة فجرًا، والبيت خالٍ من روحها. نظرتُ إلى غرفة أولادي، فوجدتهم نائمين، لكن ملامحهم كان يسكنها قلق مكتوم، وكأنهم يشعرون بالشرخ الذي أصاب جدار أمانهم.
طوال الليل، كنت أتقلب في فراشي وأنا أسأل نفسي: *هل أخطأتُ إلى هذا الحد؟*
حاولتُ كالعادة أن أبرر لنفسي.. أنا الرجل، وأنا من يجب أن يدير ميزانية البيت، والست يجب أن تطيع زوجها. لكن صورة الورقة المليئة بالمصاريف، وصورة وجهها الحاسم قبل أن تغادر، كانت تكسر كل مبرراتي. لأول مرة منذ سنة، لم يكن عنادي سلاحًا قويًا، بل بدا لي فجأة كأنه حبل يلتف حول عنقي.
في الصباح الباكر، التقطتُ هاتفي. ترددتُ كثيرًا، وتأففتُ كبريائي، لكن الخوف من المجهول كان أكبر. كتبتُ لها رسالة قصيرة:
> “الولاد بيسألوا عليكي.. هتيجي إمتى؟”
>
مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم يأتِ أي رد، رُغم أن الرسالة كُتب بجوارها علامة القراءة باللون الأزرق. كانت هذه أول مرة في حياتنا تتجاهلني فيها بشكل كامل.
في تمام الساعة الثانية ظهرًا، سمعتُ صوت مفتاح يرتد في قفل الباب. انتفضتُ من مكاني متوجهًا نحو الصالة. دلفتْ هي، لكنها لم تكن وحدها.. كان معها شقيقها الأكبر “أحمد”، الذي يقطن في محافظة أخرى ونادرًا ما يتدخل في مشاكلنا إلا للضرورة القصوى.
جلس أحمد في الصالة وعلامات الجدية والصرامة تكسو وجهه، بينما دخلت هي إلى غرفتها دون أن تنظر إليّ.
تنحنحتُ وجلستُ أمامه، بادرني أحمد بصوت منخفض وعميق:
“أنا جيت النهاردة يا أبو الولاد بناءً على طلب أختي. الكلام اللي عرفته منك ومنها ميرضيش ربنا. بقالك سنة مقاطعها وعايش معاها زي الأغراب عشان فيزا مرتبها؟ وشايف إن 42 سنة يعني عمرها انتهى وملهاش حق ترفض وتختار؟”
حاولتُ المقاطعة بنبرة حادة للدفاع عن كبريائي: “يا أبو حميد، البيت ليه راجل، وأنا شايف إنها بتصرف في…”
قاطعني أحمد رافعًا يده بحسم:
“البيت ليه راجل بيحتوي وبيصرف، مش راجل بيقاطع بالشهور عشان يسيطر على شقى وتعب مراته. أختي شالت معاك 18 سنة، وورث أبوها ومرتبها حقها الشرعي والقانوني، ومش من حقك تجبرها على حاجة. الخلاصة يا ابن الأصول.. أختي طلبت مني النهاردة نرفع دعوى طلاق للضرر، وهي متمسكة بقرارها، وشايفة إن كرامتها اللي اتهانت سنة كاملة مش هيرجعها غير الانفصال.”
في تلك اللحظة، خرجت هي من الغرفة، حاملة في يدها حقيبة صغيرة بها بعض أوراقها الرسمية الهامة، ووقفت بجوار شقيقها. لم يكن في عينيها أي بكاء أو ضعف، بل كان هناك برود مخيف، وكأن الرجل الذي يقف أمامها لم يعد يعطيها الأمان الذي تبحث عنه.
